لم يعد ميناء الناظور غرب المتوسط مجرد مشروع ضخم ينتظر اكتمال أشغاله، بل بدأت ملامح منظومته البحرية واللوجستية تظهر تدريجياً، في مؤشر جديد على اقتراب هذا الورش الاستراتيجي من مرحلة التشغيل. وفي قلب هذه الاستعدادات، تبرز قاطرتان بحريتان تابعتان لمجموعة بولودا الإسبانية، جرى تخصيصهما لمهام مساعدة السفن ومناورتها وتأمين عمليات الرسو داخل المنظومة المينائية.
وبحسب معطيات متخصصة في قطاع النقل البحري، فإن المغرب أصبح في مقدمة الدول الأفريقية المستفيدة من موجة تسليم القاطرات المينائية الجديدة، في ظل النمو المتواصل للموانئ والمحطات التجارية الكبرى بالقارة. ويأتي ميناء الناظور غرب المتوسط في صدارة هذه الدينامية، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي على الواجهة المتوسطية، والدور المنتظر أن يلعبه في حركة الحاويات والبضائع.
وتتولى شركة ويست ميد تويدج، التابعة لمجموعة بولودا، تشغيل القاطرتين اللتين تحملان اسمي “في بي بطيوة” و”في بي ريف”، وهما قاطرتان حديثتان مزودتان بنظام دفع دوّار يتيح قدرة عالية على المناورة داخل الأحواض والممرات المينائية، خصوصاً أثناء عمليات استقبال السفن الكبيرة ومغادرتها وعمليات الرسو.
ولا تتوقف الاستعدادات عند هاتين القاطرتين، إذ توجد قاطرة ثالثة تحمل اسم “في بي ݣوروݣو”، كانت خلال شهر غشت الماضي تبحر عبر المحيط الهندي في اتجاه البحر الأحمر، بعد مغادرتها سنغافورة. وكانت هذه القاطرة موجهة في البداية للمساعدة في ميناء الناظور، قبل أن يتم تخصيصها لميناء الناظور غرب المتوسط، بما يعكس حجم الاستعدادات المرتبطة بالمشروع الجديد.
وتتميز القاطرات الثلاث بمواصفات تقنية متقدمة، إذ جرى بناؤها في حوض بناء السفن دامين سونغ كام في فيتنام. ويبلغ طول كل قاطرة نحو 28 متراً، فيما يصل عرضها إلى 12 متراً، وغاطسها إلى خمسة أمتار. كما تعتمد كل وحدة على محركين يعملان بالديزل من طراز كاتربيلر 3516-سي، بقدرة إجمالية تصل إلى نحو 5120 كيلوواط.
وفي عالم الموانئ، لا تمثل القاطرة مجرد سفينة صغيرة تجر السفن العملاقة، بل تعد إحدى أهم حلقات السلامة والمناورة داخل الميناء. فالسفن التجارية الضخمة تحتاج، عند الدخول والخروج والرسو، إلى قوة دفع ومناورة دقيقة تساعدها على التحرك بأمان داخل الأحواض والممرات المائية.
وهنا تبرز أهمية تجهيز الناظور غرب المتوسط بقاطرات حديثة قبل دخوله الخدمة، لأن تشغيل ميناء بهذا الحجم لا يرتبط فقط بالأرصفة والرافعات ومحطات الحاويات، وإنما يحتاج أيضاً إلى منظومة بحرية متكاملة قادرة على مواكبة حركة السفن منذ اللحظة الأولى.
والمغرب ليس الدولة الأفريقية الوحيدة التي تعمل على تعزيز قدراتها في هذا المجال، إذ شهدت عدة موانئ بالقارة خلال السنوات الأخيرة وصول قاطرات جديدة، في ظل توسع أنشطة التعدين والطاقة والغاز والنفط والتجارة البحرية. كما عززت تونس أسطولها بعدد من القاطرات الجديدة، فيما اتجهت استثمارات أخرى نحو موانئ نيجيريا وساحل العاج وغانا وتنزانيا وغينيا.
غير أن خصوصية التجربة المغربية تكمن في تزامن هذه الاستثمارات البحرية مع تشييد ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي لا يُنظر إليه باعتباره مجرد منشأة مينائية إضافية، بل كمنصة لوجستية كبرى تستهدف تعزيز موقع المغرب داخل شبكات التجارة البحرية الدولية، وربط منطقة الريف وميناء الناظور بالممرات التجارية الرئيسية في البحر الأبيض المتوسط.
وبهذا المعنى، فإن ظهور قاطرات بولودا ضمن الاستعدادات التشغيلية للميناء يحمل دلالة تتجاوز الجانب التقني. فالقاطرات تمثل جزءاً من البنية التي يحتاجها الميناء حتى ينتقل من مرحلة البناء إلى مرحلة استقبال السفن وإدارة الحركة البحرية فعلياً.
ومع اقتراب الموعد المرتقب لدخول الناظور غرب المتوسط الخدمة، تتوالى الإشارات التي تؤكد أن المشروع بدأ يقترب من لحظة الاختبار الحقيقي: الأرصفة تُجهّز، والمعدات تتقدم، والقاطرات البحرية تدخل المشهد، فيما تستعد منطقة الناظور لاستقبال واحد من أكبر المشاريع المينائية في تاريخ المغرب الحديث.
وبينما كانت الأشغال لسنوات تشكل المشهد الرئيسي في موقع المشروع، يبدو أن المرحلة المقبلة ستجعل البحر نفسه جزءاً من القصة. فالقاطرات وصلت لتتحرك بين السفن، والناظور غرب المتوسط يستعد ليرفع مرساته الأولى على خريطة الموانئ الكبرى للمتوسط.
05/09/2026