في مشهد يبدو أقرب إلى الكوميديا السوداء منه إلى قرارات تدبير الشأن العام، أعلن رئيس بلدية سان-جوست سان-رامبير الفرنسية حرباً غير مسبوقة على البعوض النمري، بعدما أصدر قراراً يمنع هذه الحشرة من التحليق فوق تراب البلدية، ملوحاً حتى بالملاحقة القانونية لكل بعوضة تتجرأ على خرق القرار !
القرار الذي وقعه رئيس البلدية أوليفييه جولي جاء بصيغة صارمة، إذ ينص على أن كل بعوضة نمرية لا تحترم التعليمات تعرض نفسها للملاحقة القانونية، في خطوة أثارت الانتباه بسبب طابعها الرمزي والطريف، خصوصاً أن البلدية تضم نحو 15 ألف نسمة، بينما يبدو أن خصمها الجديد لا يملك عنواناً ولا بطاقة تعريف ولا حتى استعداداً للمثول أمام الشرطة.
وبينما قد يبدو الأمر مجرد نكتة سياسية محلية، يؤكد رئيس البلدية أن القضية جدية، موضحاً أن هذه الكائنات الصغيرة قادرة على جعل حياة السكان لا تطاق بسبب لسعاتها وانتشارها المتزايد. وهكذا انتقلت الحشرة من مجرد مصدر إزعاج صيفي إلى خصم مطلوب للعدالة، وإن كان من الصعب تخيل دورية شرطة وهي تطارد بعوضة في سماء البلدة لتحرير محضر مخالفة في حقها!
لكن خلف هذا القرار الطريف توجد إجراءات أكثر جدية، إذ خصصت البلدية ميزانية تقدر بـ45 ألف يورو لمكافحة البعوض، شملت اقتناء مصائد، وإنشاء ملاجئ للخفافيش وأعشاش للثدييات الصغيرة، إلى جانب أعمدة شمسية مخصصة لاستقبال طيور السنونو المعروفة باستهلاك كميات كبيرة من البعوض.
ولم تكتف السلطات المحلية بمطاردة البعوض، بل وجهت أيضاً رسائل إلى السكان تدعوهم إلى التخلص من المياه الراكدة في الدلاء وأطباق أواني الزهور والإطارات المستعملة، وتنظيف المزاريب وقنوات تصريف المياه، وتغطية أحواض المياه أو معالجتها، باعتبارها بيئات مناسبة لتكاثر هذه الحشرة.
أما رئيس البلدية، فقد اختار أن يترك هامشاً للسخرية وسط هذه المعركة البيئية، مؤكداً أنه حتى الآن لم يتم توقيف أي بعوضة ولم تحرر أي مخالفة في حقها. وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي تجد فيها السلطات نفسها أمام خصم لا يمكن استدعاؤه ولا اعتقاله ولا تغريمه، بل يواصل التحليق فوق رؤوس الجميع وكأن القرار البلدي لا يعنيه في شيء !
وتكتسي القضية أهمية أكبر مع استمرار البعوض النمري في توسيع نطاق انتشاره في فرنسا، بعدما كان مرتبطاً أساساً بالمناطق المدارية وشبه المدارية. وقد رُصد هذا النوع في فرنسا القارية للمرة الأولى سنة 2004، فيما تشير دراسة حديثة إلى إمكانية انتشاره في معظم أنحاء البلاد بحلول عام 2085، باستثناء المناطق الجبلية.
وبينما تستعد البلديات الفرنسية لمواجهة زحف هذه الحشرة عبر المصائد والخفافيش والسنونو وإزالة المياه الراكدة، يبدو أن عمدة سان-جوست سان-رامبير قرر رفع سقف المواجهة إلى مستوى آخر: قرار إداري في مواجهة بعوضة لا تقرأ القرارات ولا تحترم الحدود ولا تعترف بالسلطة المحلية.
وهكذا، إذا كان القانون الفرنسي قادراً على تنظيم حركة البشر والسيارات والبناء والتجارة، فقد وجد نفسه أمام تحدٍ أكثر تعقيداً: بعوضة نمرية لا تحمل أوراقاً ولا تخشى الملاحقة القانونية، ولا يبدو أنها مستعدة أصلاً لمغادرة البلدية احتراماً لقرار العمدة!
05/09/2026