يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار مقبل على واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية، بعدما بدأت بوادر تمرد داخلي تخرج إلى العلن من جهة الشرق، مع توجه عدد من أعضاء المجلس الوطني للحزب بإقليمي الدريوش والناظور نحو تقديم استقالاتهم من المجلس الوطني، في خطوة من شأنها أن تضع قيادة “الحمامة” أمام اختبار سياسي حقيقي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في سياق متوتر، بعدما عبّر أعضاء من داخل الحزب عن استيائهم مما يعتبرونه تراجعاً عن عدد من الالتزامات والتعهدات التي رافقت الخطاب الانتخابي للحزب خلال انتخابات 2021، معتبرين أن جزءاً من الوعود التي قُدمت للناخبين لم تجد طريقها إلى التنفيذ بالشكل الذي كان منتظراً.
وتكشف الوثيقة المتداولة، والموقعة من إسماعيل شنوف، عضو المجلس الوطني للتجمع الوطني للأحرار، عن تقديم استقالته من الحزب ومن جميع هيئاته وتنظيماته المركزية والمحلية والموازية، ابتداء من تاريخ توقيع الوثيقة، وهي خطوة تحمل أكثر من مجرد معنى إداري، خصوصاً أنها تأتي من عضو داخل مؤسسة وطنية للحزب.
ولم تتوقف أسباب الاستياء عند حدود التعهدات الانتخابية، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى وجود انتقادات داخلية لما يصفه بعض الغاضبين بـ”الانحراف عن البرنامج الانتخابي”، وهو ما قد يتحول إلى ورقة سياسية ثقيلة في يد خصوم الحزب مع اقتراب الانتخابات التشريعية والجماعية لسنة 2027.
والأكثر إثارة أن الحديث لا يتعلق بحالة فردية معزولة، بل بتوجه مجموعة من أعضاء المجلس الوطني المنتمين إلى إقليمي الدريوش والناظور نحو مغادرة هذه المؤسسة الحزبية، الأمر الذي قد يمنح الاستقالات بعداً جماعياً، ويحوّلها من مجرد خلاف داخلي إلى رسالة سياسية موجهة مباشرة إلى القيادة الوطنية.
وفي الدريوش تحديداً، حيث بدأت مبكراً ملامح السباق الانتخابي المقبل في الظهور، فإن أي نزيف تنظيمي داخل صفوف “الحمامة” قد تكون له كلفة انتخابية، خصوصاً أن الاستحقاقات لا تُحسم فقط بالأسماء والشعارات، بل أيضاً بقوة التنظيم المحلي وقدرته على تعبئة القواعد والفاعلين والناخبين.
أما في الناظور، فإن التحاق أسماء وازنة بأي موجة استقالات محتملة قد يرفع منسوب القلق داخل الحزب، ويعيد ترتيب التحالفات والحسابات السياسية بالمنطقة، في وقت تستعد فيه مختلف التنظيمات السياسية لخوض سباق انتخابي يبدو منذ الآن أكثر شراسة من السابق.
وبينما لم يصدر، إلى حدود كتابة هذه السطور، موقف رسمي شامل من القيادة الوطنية للتجمع الوطني للأحرار بشأن هذه المعطيات، فإن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه داخل الأوساط السياسية بالجهة هو: هل يتعلق الأمر بمجرد احتجاج داخلي محدود، أم أن “الحمامة” بدأت فعلاً تفقد بعضاً من ريشها قبل أن تحط في محطة انتخابات 2027؟
والأكيد أن الاستقالات، إذا اتخذت طابعاً جماعياً ورسميًا، لن تكون مجرد أوراق تُودع لدى قيادة الحزب، بل قد تتحول إلى إنذار انتخابي مبكر يفرض على قيادة التجمع الوطني للأحرار إعادة قراءة وضعها التنظيمي في الدريوش والناظور، قبل أن تتحول الاحتجاجات من استقالات داخلية إلى أصوات انتخابية غاضبة أمام صناديق الاقتراع.
06/09/2026