kawalisrif@hotmail.com

حين خانت الخريطة مدريد … سبتة ومليلية المحتلتان تظهران على خرائط إسبانيا كأراضٍ متنازع عليها مع المغرب

حين خانت الخريطة مدريد … سبتة ومليلية المحتلتان تظهران على خرائط إسبانيا كأراضٍ متنازع عليها مع المغرب

في سقطة سياسية وإعلامية يصعب ابتلاعها أو دفنها تحت ذريعة الأخطاء التقنية، وجد الإسبان أنفسهم أمام خريطة رسمية تضع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين في خانة المناطق المتنازع عليها مع المغرب. والمفارقة أن الأمر لم يظهر على موقع مجهول أو منصة هامشية، بل على بوابة حكومية إسبانية مخصصة للسكن، يفترض أن مهمتها عرض العقارات المتاحة، فإذا بها تفتح، من حيث لا تدري، ملفاً سيادياً حساساً ظل لعقود واحداً من أكثر الملفات استعصاءً على مدريد.

الموقع الحكومي Casa 47، الذي أطلقته حكومة بيدرو سانشيز للتعريف بالسكن العمومي، أظهر الحدود البرية لسبتة ومليلية بخطوط متقطعة، وهي رموز تستخدمها الخرائط عادة للدلالة على حدود أو مناطق توجد بشأنها مطالبات سيادية متعارضة. وهنا سقطت مدريد في امتحان الخريطة قبل أن تسقط في امتحان السياسة، لأن الخط الذي ظهر على الشاشة كان أكثر صراحة من كثير من التصريحات الرسمية التي اعتاد المسؤولون الإسبان إطلاقها بشأن المدينتين.

ولم تتوقف المفارقة عند هذا الحد، إذ أظهرت الخريطة أيضاً الصحراء المغربية ضمن التراب المغربي، في صورة تكشف أن الخرائط، حتى عندما تُعد لأغراض تقنية أو إدارية، يمكن أن تتحول إلى مرآة تعكس تعقيدات السياسة والجغرافيا والتاريخ. وبينما سارعت أصوات سياسية إسبانية إلى المطالبة بتصحيح الخريطة أو سحبها، بدا واضحاً أن المشكلة لم تعد في بضعة خطوط متقطعة، وإنما في السؤال الذي كشفت عنه تلك الخطوط: لماذا يظهر المغرب في الخرائط الإسبانية أحياناً بوضوح أكبر من وضوح الموقف السياسي لمدريد؟

المثير للسخرية أن الحكومة الإسبانية لم تكن بصدد إعداد خريطة سياسية أو وثيقة دبلوماسية، بل كانت تريد تسويق بوابة للسكن. لكن يبدو أن الجغرافيا قررت أن تدخل على الخط وتفسد حفلة العلاقات العامة. فبدلاً من أن ينشغل الإسبان بأسعار الإيجار والمساكن المتاحة، وجدوا أنفسهم يتجادلون حول حدود مدينتين يصر الخطاب الرسمي الإسباني على وصفهما بأنهما جزء لا يتجزأ من إسبانيا.

وهنا تبرز المفارقة التاريخية الكبرى. مدريد تريد تقديم سبتة ومليلية باعتبارهما مسألة محسومة لا تقبل النقاش، بينما الواقع السياسي والدبلوماسي يؤكد أن المغرب لم يتخلَّ عن مطالبته بالمدينتين. وهذه الحقيقة ليست اكتشافاً جديداً ولا موقفاً طارئاً، بل ملف قائم منذ عقود، تتداخل فيه الجغرافيا والتاريخ والروابط البشرية والامتداد الطبيعي للمدن المغربية المحيطة بالثغرين المحتلين.

أما محاولة تحويل الخطوط المتقطعة إلى فضيحة، فهي في حد ذاتها اعتراف غير مباشر بحساسية القضية. فإذا كانت المسألة محسومة تماماً كما تقول مدريد، فلماذا كل هذا الهلع من مجرد طريقة رسم الحدود؟ ولماذا تتحول خريطة إلكترونية إلى قضية سياسية تستدعي بيانات وتصريحات ومطالبات بالتصحيح؟ يبدو أن بعض الخرائط تعرف كيف تقول ما تعجز السياسة عن قوله.

والأكثر دلالة أن هذا الجدل يأتي في ظرف سياسي شديد الحساسية، بالتزامن مع توتر متصاعد حول سبتة، ومع عودة ملف السيادة المغربية على المدينتين إلى واجهة النقاش الإسباني. كما يأتي قبل أيام قليلة من تصويت مرتقب في البرلمان الإسباني بشأن مقترح يتعلق بمنح الجنسية الإسبانية لأشخاص من أصول صحراوية ولدوا خلال فترة الإدارة الإسبانية، وهو ما يزيد المشهد تعقيداً، ويجعل كل إشارة جغرافية أو سياسية قابلة لأن تتحول إلى مادة دسمة للصراع الداخلي.

لكن الأخطر بالنسبة إلى مدريد ليس الخط المتقطع في الخريطة، بل ما يكشفه هذا الخط من حقيقة أعمق: أن قضية سبتة ومليلية لم تُدفن، وأن مرور السنوات لم يحول المطالبة المغربية إلى مجرد ذكرى تاريخية. فالمغرب ينظر إلى المدينتين باعتبارهما جزءاً من مجاله الوطني، بينما تحاول إسبانيا تثبيت الأمر الواقع باعتباره حقيقة نهائية. وبين الموقفين، تستمر الجغرافيا في أداء دورها الصامت، لتذكر الجميع بأن الحدود السياسية ليست دائماً هي نفسها حدود التاريخ والجغرافيا.

ومن السهل على بعض الأصوات الإسبانية أن تبحث عن كبش فداء، وأن تلقي المسؤولية على موظف أو مصمم خريطة أو خطأ تقني في نظام معلوماتي. لكن المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فالخريطة لم تخترع النزاع، ولم تخلق المطالبة المغربية، ولم ترسم التاريخ من الصفر. كل ما فعلته أنها أظهرت، ولو للحظات، أن الملف الذي تريد مدريد تقديمه للعالم باعتباره مغلقاً لا يزال مفتوحاً في الوعي السياسي والجغرافي.

أما المغرب، فلا يحتاج إلى ضجيج كبير كي يؤكد موقفه. فالجغرافيا تتحدث، والتاريخ يتحدث، والواقع الإقليمي يتحدث. وما تحتاجه مدريد اليوم ليس الغضب من خط متقطع، بل الشجاعة لمواجهة السؤال الحقيقي: هل يمكن فعلاً إخفاء ملف سبتة ومليلية إلى الأبد خلف خرائط ملونة وشعارات قانونية؟

لقد حاولت حكومة سانشيز أن تقدم خريطة للسكن، فإذا بالخريطة تفتح باباً آخر أكثر إحراجاً. أرادت مدريد أن تحدد للمواطن الإسباني أين يجد منزلاً، فإذا بها تكتشف أن هناك حدوداً أخرى ما زالت تبحث عن جواب، وملفات أخرى لم يحسمها الزمن.

وقد تستطيع الحكومات أن تغير الخرائط الرقمية بضغطة زر، وقد تستطيع حذف خط متقطع من شاشة حاسوب، لكنها لن تستطيع حذف الجغرافيا من مكانها، ولا التاريخ من ذاكرته، ولا المطالبة المغربية من جذورها.

فالخط الذي يمكن محوه من الشاشة قد يعود غداً على الخريطة السياسية… أما الحقيقة الجغرافية، فلا تحتاج إلى حبر كي تبقى.

07/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts