في الحسيمة، يبدو أن البحر لم يعد مجرد فضاء للصيد، ولا لوحة زرقاء تتغنى بها الخطب عن السياحة والثروة البحرية. تحت ذلك الهدوء الذي يخدع العين، تختبئ حكاية أخرى أكثر خطورة: حكاية ثروة حمراء نادرة، وحسابات مالية كبيرة بالملايير، وأطماع لا تعرف معنى للراحة. إنه المرجان الأحمر، “الذهب الأحمر للمتوسط”، الذي جعل أعماق الريف، منذ عقود، مطمعاً للغواصين والتجار والشبكات التي اكتشفت أن ما يوجد تحت الماء قد يكون أكثر قيمة مما يوجد فوقه.
المرجان الأحمر ليس مجرد كائن بحري جميل يُعرض في واجهات محلات المجوهرات، بل هو ثروة تنمو ببطء شديد، وتحتاج مستعمراته إلى سنوات طويلة لاستعادة ما تفقده. لكن السوق لا ينتظر الطبيعة، والمال لا يمنح البحر فرصة لالتقاط أنفاسه. فكلما ارتفعت قيمة المرجان، ارتفعت معها شهية الوصول إليه، وكلما تراجع مخزونه الطبيعي، بدأ السباق نحو ما تبقى منه. وهنا تحديداً تبدأ القصة التي تجعل الحسيمة أمام سؤال أكبر من مجرد قرار وزاري ورخصة صيد أو اسم مستفيد.
ففي ذاكرة الحسيمة، توجد صفحة ثقيلة تعود إلى سنوات “حمى المرجان الأحمر”، عندما وجد غواصون وبحارة إيطاليون في مياه الريف مجالاً خصباً لاستخراج هذه الثروة. وتتحدث شهادات وتقارير مرتبطة بتلك المرحلة عن نشاط إيطالي في استخراج وحصد المرجان، وعن علاقات مع بعض الصيادين المحليين، بل وعن ورشة متخصصة بشارع فلسطين، قيل إن لها صلة مباشرة ببورصة في ضواحي ألميريا. وفي النهاية، تدخلت السلطات لطرد أجانب ارتبط نشاطهم، وفق تلك الروايات، باستغلال الشعاب المرجانية وحصد “الذهب الأحمر”. يومها كان السؤال: كيف دخل هؤلاء إلى البحر؟ واليوم يعود السؤال نفسه بوجوه جديدة.
وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تحولت أعماق بحر ألبوران إلى مسرح لما وصفته تقارير وشهادات بـ”مافيا المرجان”. لم تعد المسألة مجرد غواص يبحث عن بضعة فروع مرجانية، بل نشاطاً اقتصادياً تتداخل فيه السفن والتجار والوسطاء ووسائل اقتلاع مدمرة. ومن بين أكثر الأدوات إثارة للجدل ما عُرف بـ”الصنارة الإيطالية”، التي كانت تسمح باقتلاع المرجان بسرعة من القاع، لكنها في الوقت نفسه كانت قادرة على تدمير ما حوله من كائنات ونباتات بحرية، وكأن الهدف لم يعد أخذ المرجان فقط، بل كنس قاع البحر بحثاً عن آخر قطعة قابلة للبيع.
ولأن الطبيعة لا تملك محامين ولا غرفاً مهنية تدافع عنها، ولا مندوبية تشكو إليها، فقد دفعت الثمن وحدها. فالمرجان الذي يحتاج إلى سنوات طويلة كي ينمو كان يُقتلع في لحظات، والقاع الذي كان يحفظ مستعمراته يتحول إلى مساحة مدمرة. وتحذر أبحاث علمية من الانخفاض الكبير في أحجام مستعمرات المرجان في المتوسط، فيما كانت الباحثة كريستينا ليناريس قد حذرت، في فترات سابقة، من أن ما بين 80 و90 في المائة من المستعمرات لم تعد تتجاوز تقريباً سنتيمتراً واحداً، في صورة تختصر حجم الكارثة التي راكمها الاستغلال على مدى عقود.
والأخطر أن السوق لم يعد يترك حتى المرجان الصغير خارج الحسابات. فالمرجان الذي كان يُعتبر في السابق غير صالح للبيع بسبب صغر حجمه، أصبح اليوم يجد مشترين يحولونه إلى عجينة تُستخدم في صناعة مجوهرات أقل جودة. وهكذا، من الشعاب المرجانية إلى واجهات المتاجر، أصبح ما كان مرفوضاً تجارياً قابلاً للتصنيع والتسويق. أي أن السوق وجد لنفسه حلاً حتى عندما بدأت الطبيعة تعجز عن إنتاج مرجان كبير. والنتيجة واضحة: كلما صغر المرجان، صغر معه هامش الأمان البيئي، بينما تكبر شهية الحيتان الكبيرة المستفيدة. إنها معادلة قاسية: الطبيعة تحتاج عقوداً، والسوق يحتاج دقائق.
وفي منطقة بحر ألبوران، قبالة الضفة الشمالية لموقع الحسيمة، تكشف الدراسات السابقة أن ما كان تحت الماء لم يكن ثروة هامشية. فقد قدرت دراسة إسبانية سابقة وجود أكثر من 211 ألف كيلوغرام من المرجان في المناطق التي شملتها الدراسة، بينها نحو 46 ألف كيلوغرام من المرجان الحي. وفي مدينة أدرا بألميريا ظهرت، بداية الثمانينيات، شركة متخصصة في المرجان كانت تزود ورشات صناعة المجوهرات، مع ورود معطيات عن ارتباط رأسمال إيطالي بهذا النشاط. وهي أرقام ومعطيات تكشف أن “الذهب الأحمر” لم يكن مجرد هواية للغواصين، بل سوقاً تتحرك فيه أموال ومصالح وشبكات.
ومع مرور السنوات، اضطرت دول متوسطية إلى تشديد قوانينها وقرارات الترخيص، بعدما اتضح أن ترك المرجان أمام شهية السوق يعني ببساطة انتظار اختفائه. لكن الحسيمة اليوم تقف أمام فصل جديد من القصة، بعد انطلاق موسم حصاد 5000 كلغ إلى غاية نوفمبر، وهذه المرة في منطقة توبو، الواقعة بالمنتزه الوطني للحسيمة، والتي تختزن ثروات بحرية ذات قيمة بيئية فريدة، وتفتح من جديد ملف العلاقة بين الحماية والنهب.
السؤال الذي يفرض نفسه بصوت مرتفع هو: من يحمي الذهب الأحمر في توبو؟ من يتتبع ما يخرج من البحر وما يدخل إلى السوق؟ ومن يضمن ألا تتحول المحمية إلى خزينة طبيعية لا تحتاج إلا إلى مفتاح إداري وملتمس للوصول إليها؟ فإذا كانت الحماية تعني تنظيم الاستغلال، فمن يحمي الاستغلال المنظم نفسه من أن يتحول إلى استنزاف منظم؟
وهنا يدخل ملف غرفة الصيد المتوسطية ورئيسها منير الدراز إلى دائرة الأسئلة التي يحق للرأي العام أن يسمع عنها أجوبة واضحة: لماذا الإلحاح على الترخيص لغطاس ثالث؟ ومن يراقب النتائج؟ وماذا عن الدراسات الحديثة لمعهد الصيد التي تحوم حولها تساؤلات بشأن مدى دقتها وقدرتها على تحديد قدرة مخزون المرجان على تحمل المزيد من الاستغلال؟ وإذا كانت هناك مبررات مهنية وعلمية حقيقية، فلماذا لا تُعرض المعطيات للرأي العام بشفافية كاملة؟
وإذا كان الاستغلال مستداماً، فلتُكشف الدراسات، وإذا كانت الرقابة قائمة، فهل افتُتح سجل الجزر؟ فليُعرف من يراقب ومن يحاسب. أما ترك كل شيء في منطقة رمادية، فلن يؤدي إلا إلى زيادة الشكوك حول ثروة يُفترض أنها ملك للمغاربة جميعاً، وليست ملكاً لغرفة مهنية أو جهة أو مجموعة من المستفيدين وأشباح خلف الستار بمكاتب مكيفة تصلها الكعكة.
الحسيمة لا تحتاج إلى “مافيا جديدة” بأسماء جديدة، ولا إلى تكرار سيناريو قديم بواجهات مهنية حديثة. فالإيطاليون الذين دخلوا بالأمس بحثاً عن المرجان تركوا وراءهم درساً واضحاً: عندما يصبح البحر بلا رقابة، يتحول ما تحته إلى غنيمة. واليوم، إذا كانت الأدوات قد تغيرت والأسماء قد تبدلت، فإن السؤال نفسه ما زال قائماً: هل نحن أمام حماية حقيقية للمرجان، أم أمام تنظيم أكثر أناقة للوصول إليه؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول المحمية من جدار لحماية الثروة إلى بوابة للوصول إليها. فالمرجان لا يستطيع الاحتجاج عندما يُقتلع، ولا يستطيع أن يسأل عن الرخصة، ولا يملك غرفة مهنية تتحدث باسمه، ولا يستطيع أن يطلب من أحد أن يترك له فرصة للنمو. وحدها الدولة، ومؤسساتها الرقابية والعلمية، قادرة على وضع حد فاصل بين الصيد المشروع والاستنزاف المقنّع.
ويبدو أن الحكاية لم تعد حكاية مرجان فقط، بل حكاية “من يضع يده على البحر أولاً”! فمع منير الدراز وغرفة الصيد المتوسطية، يصبح السؤال أكثر إزعاجاً: هل نحن أمام غرفة يفترض أن تحرس مصالح الصيادين والثروة البحرية، أم أمام “غرفة عمليات” تبحث عن أفضل الطرق للوصول إلى ما تبقى في أعماق البحر؟ ولماذا كل هذا الإصرار عندما يتعلق الأمر بالمرجان؟ هل أصبح “الذهب الأحمر” فجأة بلا حارس، أم أن الحارس نفسه يحتاج إلى حارس يراقبه؟ إنها مفارقة تستحق السخرية لو لم تكن الثروة المعنية ملكاً لأجيال كاملة.
الدراز والغرفة ومندوبية الصيد ومعهد الصيد وكتابة الدولة المعنية والأجهزة الأمنية بمختلف تلاوينها، برصيف الميناء أو العائمة وسط الأمواج، مطالبون اليوم بأكثر من البيانات والتبريرات؛ بل مطالبون بأن يجيبوا ببساطة ووضوح: من المستفيد؟ ما هي الدراسات؟ أين هي المعطيات العلمية التي تبرر هذا الإصرار؟ ومن يضمن ألا يتحول الترخيص من أداة لتنظيم الاستغلال إلى “بطاقة عبور” نحو آخر ما تبقى من المرجان؟ لأن البحر لا يعرف لغة العلاقات المهنية، ولا يفهم منطق “نحن أدرى بمصلحته”، والمرجان بالتحديد لا يستطيع أن يرفع يده داخل الاجتماعات ليقول: “اتركوني أنمو قليلاً قبل أن تبدأوا في اقتلاعي!”
وإذا كان الدراز والغرفة وكتابة الدولة مقتنعين بأن كل شيء يجري لحماية الثروة، فليخرجوا إلى الرأي العام بكل ما لديهم، وليضعوا الدراسات التي يتغنى بها معهد الصيد، والوثائق والمعايير، فوق الطاولة، بدل ترك المغاربة أمام لعبة “ثقوا بنا”، بينما المرجان هو الذي يدفع الثمن. أما أن تتحول غرفة الصيد، عبر رئيسها الدراز، إلى حارس وبواب ومستشار وصاحب مفتاح في الوقت نفسه، فهنا يصبح من المشروع طرح السؤال الأكثر إزعاجاً: هل نحن أمام مؤسسة تحرس الثروة، أم أمام “حارس” يحتاج هو نفسه إلى من يحرسه؟
لقد انتهى زمن “مافيا المرجان” الإيطالية، على الأقل كما تحكي الروايات القديمة، لكن الخوف اليوم ليس من عودة الماضي بالأسماء نفسها، بل من أن تعود الفكرة نفسها ببدلة رسمية، وملف إداري، وختم مؤسساتي. فالمشكلة ليست في جنسية من يقتلع المرجان، ولا في شكل الورقة التي يحملها، بل في كمية المرجان التي ستغادر البحر. وإذا كان بالأمس هناك من يقتلع “الذهب الأحمر” خارج القانون، فهل المطلوب اليوم أن نصفق لمن يقترب منه تحت سقف القانون، ثم نكتشف بعد سنوات أن القانون كان يحمي الترخيص أكثر مما كان يحمي المرجان؟
09/09/2026