kawalisrif@hotmail.com

من مصانع السيارات إلى ساحات الحرب … أوروبا تدير محركاتها نحو صناعة السلاح !

من مصانع السيارات إلى ساحات الحرب … أوروبا تدير محركاتها نحو صناعة السلاح !

لم يعد التحول الذي يضرب صناعة السيارات الأوروبية مجرد أزمة اقتصادية عابرة، ولا مجرد سباق لإنقاذ المصانع من الإغلاق وتسريح العمال، بعدما بدأ قطاع الدفاع يطل بقوة كوجهة جديدة لرؤوس الأموال والتكنولوجيا والقدرات الصناعية التي كانت مخصصة في الأصل لصناعة السيارات. أوروبا التي عرفت لعقود مصانع تنتج السيارات المدنية بكميات هائلة، تجد نفسها اليوم أمام معادلة غير مسبوقة: عجلات أربع قد تتوقف، لتحل محلها سلاسل مجنزرة ومركبات عسكرية وطائرات مسيرة وأنظمة دفاعية.

المفارقة أن الأزمة نفسها التي تهدد آلاف الوظائف في صناعة السيارات تبدو وكأنها تفتح الباب أمام ازدهار صناعة الدفاع. فبحسب المعطيات التي أوردتها صحيفة إسبانية، أعلنت شركات توريد السيارات الأوروبية عن إلغاء نحو 104 آلاف وظيفة خلال عامي 2024 و2025، في وقت تتراجع فيه مستويات الإنتاج ويشتد الضغط الناتج عن المنافسة الصينية وارتفاع تكاليف الطاقة والصناعة والتحول المكلف نحو السيارات الكهربائية والبرمجيات.

وفي قلب هذا التحول تبرز شركة فولكسفاغن، التي تستعد لإعادة توجيه مصنعها في أوسنابروك بألمانيا بعيداً عن صناعة السيارات، وتحويله تدريجياً إلى مركز متخصص في حلول الأمن والدفاع. وتأتي الخطوة بعد إقرار المجموعة بأن طاقتها الإنتاجية في أوروبا تتجاوز الطلب الحالي بأكثر من 500 ألف سيارة، في صورة تختصر حجم المأزق الذي باتت تواجهه الصناعة الأوروبية.

المثير أكثر أن مصنع أوسنابروك لن يتحول ببساطة إلى منشأة صناعية أخرى، بل قد يجد نفسه في قلب صناعة الدفاع الأوروبية. فالاتفاق المبرم مع ولاية سكسونيا السفلى وشركة أوريليوس كابيتال يفتح الباب أمام بيع الشركة وتحويل المصنع تدريجياً، بينما يرتبط أول مشروع مطروح بتعاون محتمل مع شركة رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة الإسرائيلية لتصنيع أنظمة ومكونات للدفاع الجوي لصالح ألمانيا وأوروبا.

وهكذا، فإن المصنع الذي كان ينتج السيارات قد يجد نفسه أمام مهمة مختلفة تماماً. فولكسفاغن ستضع خلال المرحلة الانتقالية خبرتها في التصنيع والهندسة والتطوير والبنية التحتية الصناعية في خدمة هذا المسار الجديد، فيما قد يحصل أكثر من 1200 عامل على فرصة للاستمرار في العمل داخل المنشأة، بعدما كان شبح الإغلاق يهدد مستقبل المصنع.

ومن المقرر أن يتوقف إنتاج السيارات في أوسنابروك صيف 2027، بينما تبحث فولكسفاغن عن استخدامات بديلة لمنشآت أخرى في أوروبا، من بينها إمدن وتسفيكاو وهانوفر ونيكارزولم. وكأن السؤال لم يعد فقط: أي سيارة ستخرج من هذه المصانع؟ بل أصبح: ماذا ستنتج هذه المصانع عندما لا يعود السوق قادراً على ابتلاع السيارات التي كانت تنتجها؟

الأزمة ليست محصورة في فولكسفاغن. فجمعية موردي السيارات الأوروبية كليبّا تتحدث عن 54 ألف وظيفة أُعلن عن إلغائها في 2024، و50 ألفاً أخرى في 2025، مقابل نحو 7 آلاف وظيفة جديدة فقط خلال 2025. كما أن إنتاج المركبات في الاتحاد الأوروبي خلال 2025 كان أقل بنحو 20% مقارنة مع 2019، بفارق يقدر بحوالي 3.1 ملايين مركبة سنوياً.

وفي الجهة الأخرى، تبدو صناعة الدفاع أكثر تعطشاً إلى المصانع والمهندسين وسلاسل التوريد والتكنولوجيا الصناعية. أوروبا تريد زيادة قدرتها بسرعة على إنتاج المركبات العسكرية والطائرات المسيرة وأنظمة نقل الحركة والمكونات الدفاعية، فيما تمتلك صناعة السيارات بالضبط ما يحتاجه هذا التوسع: خطوط إنتاج ضخمة، أتمتة، هندسة دقيقة، خبرات في المحركات وناقلات الحركة، وسلاسل توريد قادرة على إنتاج آلاف الوحدات بوتيرة عالية.

شركة شيفلر تقدم مثالاً صارخاً على هذا التحول. فبعدما واجهت ضغوطاً مرتبطة بضعف سوق السيارات وأعلنت برنامجاً شمل آلاف الوظائف، جعلت الدفاع أحد مجالاتها الاستراتيجية الجديدة، مع طموح لأن تمثل الأنشطة الجديدة، ومنها الدفاع والروبوتات الشبيهة بالبشر، ما يصل إلى 10% من إيراداتها بحلول 2035.

وفي فرنسا، دخلت شيفلر في تحالف مع شركة ديلير لتوسيع إنتاج الطائرات المسيرة وطائرات الاعتراض، عبر خط صناعي جديد يفترض أن تصل قدرته إلى نحو 100 وحدة يومياً بحلول نوفمبر 2026. أي أن التكنولوجيا التي كانت تستخدم لإنتاج مكونات السيارات على نطاق واسع بدأت تجد طريقها إلى سماء الحرب.

أما دايملر للشاحنات، فقد أنشأت في يونيو علامة عالمية باسم دايملر للشاحنات للدفاع، وأعلنت استثمارات بمئات الملايين من اليوروهات لتوسيع أنشطتها العسكرية، واضعة هدفاً طموحاً يتمثل في الوصول إلى مليار يورو من الإيرادات المرتبطة بالدفاع بحلول 2028.

وهنا تبدو المسألة أكثر وضوحاً: المصنع الذي اعتاد إنتاج شاحنات مدنية يمكنه، بفضل خبرته في المحركات والمقصورات والمكونات والصيانة وسلاسل التوريد، أن يتحول إلى قاعدة صناعية لإنتاج مركبات موجهة إلى الجيوش. الفارق أن الزبون هذه المرة لا يبحث عن شاحنة لنقل البضائع، بل عن منصة يمكن أن تتحرك في ساحات القتال.

وتدخل شركة زد إف الألمانية بدورها على الخط، بعدما وسعت نشاطها العسكري بالتوازي مع خطط لخفض آلاف الوظائف في قطاع السيارات. وتعمل الشركة مع رولز رويس باور سيستمز على نظام الدفع الهجين المستقبلي لبرنامج نظام القتال البري الرئيسي، أو إم جي سي إس، الفرنسي الألماني، المخصص لتطوير الجيل المقبل من المركبات القتالية الثقيلة الأوروبية.

كما تطور زد إف ناقل الحركة الكهربائي إي إل إس جي 5000 لمنظومة دفع تتجاوز قدرتها 1400 كيلوواط، وقدمت خلال معرض يوروساتوري 2026 مجموعة موسعة من أنظمة نقل الحركة للمركبات العسكرية المجنزرة. وهنا يصبح الانتقال من العجلات إلى المجنزرات أكثر من مجرد استعارة صحفية، بل تعبيراً عن اتجاه صناعي آخذ في التشكل.

ولم يتوقف الأمر عند أوروبا، فقد امتد هذا السباق إلى الولايات المتحدة وبريطانيا. فشركة فورد دخلت في شراكة مع جنرال دايناميكس لاند سيستمز المملكة المتحدة وريكاردو للمنافسة على برنامج المركبة الخفيفة الجديدة التابع لوزارة الدفاع البريطانية، انطلاقاً من منصة فورد رانجر التجارية.

أما جنرال موتورز، التي تمتلك بالفعل جي إم ديفنس، فقد وقعت اتفاقاً مع لوكهيد مارتن لدراسة كيفية الجمع بين الخبرة العسكرية للشركة الدفاعية وقدرات جنرال موتورز في التصنيع التجاري واسع النطاق، بما في ذلك استخدام المنشآت والعمليات والبنى التحتية المدنية لتسريع الإنتاج العسكري الأمريكي.

وبذلك، يبدو أن صناعة السيارات العالمية تقف أمام مفارقة ثقيلة: أزمة في الطلب على السيارات من جهة، وطفرة في الطلب على المعدات العسكرية من جهة أخرى. وبينما تغلق بعض خطوط الإنتاج أو تبحث عن مستقبل جديد، تفتح مصانع أخرى أبوابها أمام عالم مختلف تماماً، عالم لا تقاس فيه سرعة الإنتاج بعدد السيارات التي يمكن بيعها، بل بعدد المركبات العسكرية والطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع التي يمكن إخراجها من خط التجميع.

وقد يكون المشهد الأكثر إثارة أن أوروبا، التي طالما بنت قوتها الصناعية على السيارات، بدأت تبحث عن إنقاذ مصانعها عبر قطاع الدفاع. فالمحركات نفسها، والهندسة نفسها، والأتمتة نفسها، وسلاسل التوريد نفسها، يمكن أن تنتقل من الطرقات إلى ساحات القتال.

وهكذا، وبينما كانت مصانع السيارات الأوروبية تصارع من أجل البقاء في مواجهة الصين والتحول الكهربائي وتراجع الطلب، وجد قطاع الدفاع فرصة تاريخية لاستقطاب هذه القدرات. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط ماذا ستنتج أوروبا في مصانعها خلال السنوات المقبلة، بل إلى أين ستقود هذه المصانع القارة عندما تتحول خطوط إنتاج السيارات تدريجياً إلى خطوط لإنتاج أدوات القوة العسكرية؟

فإذا كانت السيارة رمزاً للصناعة الأوروبية في زمن السلم، فإن دخول الدبابات والطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع إلى خطوط الإنتاج قد يكون مؤشراً على أن أوروبا تعيد رسم اقتصادها على وقع زمن أكثر توتراً. وقد يأتي اليوم الذي تدخل فيه السيارة إلى المتحف باعتبارها عنواناً لعصر صناعي مضى، بينما تخرج من المصنع نفسه آلة مجنزرة تحمل شعاراً لم يكن أحد يتخيل أن يراه يوماً على خط إنتاج للسيارات.

12/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts