kawalisrif@hotmail.com

المغرب أمام صدمة إقتصادية … النفط يتجاوز 108 دولارات وخط الـ120 يقترب

المغرب أمام صدمة إقتصادية … النفط يتجاوز 108 دولارات وخط الـ120 يقترب

دخل المغرب فعلياً مرحلة اقتصادية شديدة الحساسية بعدما قفز سعر برميل خام برنت إلى أكثر من 108 دولارات، اليوم الاثنين 14 شتنبر، مقترباً من المستوى الذي سبق أن حذر منه والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، قبل أشهر، عندما تحدث عن إمكانية اللجوء إلى خط الائتمان المرن الممنوح للمملكة من طرف صندوق النقد الدولي إذا استقرت أسعار النفط في نطاق يتراوح بين 100 و120 دولاراً للبرميل.

المسألة هذه المرة لا تتعلق بمجرد ارتفاع مؤقت في أسعار المحروقات، لأن المغرب، باعتباره بلداً مستورداً صافياً للطاقة، يتلقى الصدمة النفطية من أكثر من جهة في الوقت نفسه. فكل ارتفاع كبير في سعر البرميل يعني فاتورة أكبر للواردات، وضغطاً إضافياً على الأسعار، واحتمال اتساع العجز الخارجي، إلى جانب تأثير مباشر أو غير مباشر على احتياطات العملة الصعبة والقدرة الشرائية للأسر.

الأكثر إثارة للانتباه أن السعر المسجل في الأسواق تجاوز بفارق كبير الفرضية النفطية التي اعتمد عليها صندوق النقد الدولي في أحد اختباراته السابقة لقياس قدرة الاقتصاد المغربي على مواجهة صدمة في أسعار الطاقة. ففي مارس الماضي، بنى الصندوق سيناريو متشائماً على أساس متوسط سعر لبرنت في حدود 80 دولاراً للبرميل، مقابل 67 دولاراً في السيناريو الأساسي. وحتى عند ذلك المستوى، كان الصندوق يتوقع أن يتراجع النمو خلال 2026 من 4.9 إلى 4.4 في المائة، وأن يرتفع التضخم من 1.2 إلى 1.6 في المائة، فيما يتسع عجز الحساب الجاري من 2.5 إلى 3.3 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

أما اليوم، فإن السوق تجاوز عتبة 108 دولارات، وهو ما يعني أن المتغير الخارجي الذي كان الصندوق يتعامل معه باعتباره سيناريو ضغط أصبح أكثر حدة على أرض الواقع. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المؤشرات الاقتصادية المغربية ستتدهور بالوتيرة نفسها التي يفترضها فارق الأسعار، لأن مدة ارتفاع النفط، واتجاه الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، وسياسة الحكومة في مواجهة الصدمة، كلها عوامل يمكن أن تغير النتيجة، لكن المؤكد أن هامش المناورة أصبح أضيق مما كان عليه قبل أشهر.

وهنا يعود إلى الواجهة تصريح عبد اللطيف الجواهري خلال الندوة الصحفية لبنك المغرب في 17 مارس 2026، حين أوضح أن المغرب، في ظل سعر نفط في حدود 80 دولاراً واحتياطيات مريحة من العملة الصعبة، لا يحتاج إلى تفعيل خط صندوق النقد، لكنه أشار في المقابل إلى أن وصول الأسعار إلى مستويات تتراوح بين 100 و120 دولاراً قد يجعل التفكير في استعمال هذا الخط أمراً مطروحاً بشكل جدي.

الجواهري تحدث حينها عن إمكانية التحرك بسرعة وسحب ما يقارب 5 مليارات دولار إذا اقتضت الظروف ذلك، في وقت تشير المعطيات الرسمية لصندوق النقد الدولي إلى أن المغرب يتوفر منذ أبريل 2025 على خط ائتمان مرن بقيمة 3.45 مليارات من حقوق السحب الخاصة، أي ما يقارب 4.5 مليارات دولار، وهو خط ظل، وفق المعطيات المتاحة، غير مسحوب منه.

وهذا التفصيل مهم، لأن خط الائتمان المرن ليس برنامج إنقاذ مالي تقليدياً ولا يعني في حد ذاته أن الاقتصاد المغربي دخل مرحلة إفلاس أو أزمة سيولة. إنه بالأحرى شبكة أمان مالية مخصصة للدول التي تتوفر على أسس اقتصادية وسياسات قوية، وتسمح لها بالحصول على تمويل احترازي عند تعرضها لصدمات خارجية قوية. لكن مجرد الانتقال من الاحتفاظ بهذه الآلية كإجراء احتياطي إلى استعمالها فعلياً سيكون إشارة قوية إلى حجم الضغط الذي أصبحت تواجهه البلاد.

والضغط لا يبدأ عند أبواب صندوق النقد، بل يبدأ داخل الاقتصاد المغربي نفسه. فارتفاع النفط يرفع تكلفة الطاقة والنقل والإنتاج والشحن، قبل أن ينتقل أثره تدريجياً إلى أسعار عدد كبير من السلع والخدمات. وفي المقابل، تجد الدولة نفسها مطالبة بالموازنة بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين والحفاظ على توازنات المالية العمومية، خصوصاً في ظل استمرار تحملها أعباء مرتبطة بالدعم والتدابير الاجتماعية والقطاعية.

وكان صندوق النقد قد قدر أن واردات الطاقة تمثل نسبة مهمة من الناتج الداخلي الخام المغربي، وحذر من أن أي ارتفاع قوي ومستمر في أسعار الطاقة يمكن أن يضغط في الوقت نفسه على النمو والتضخم والحساب الجاري. وفي السيناريو الذي وضعه الصندوق في مارس، كان متوقعاً أن تتراجع الاحتياطيات بنحو 3.2 مليارات دولار مقارنة بالمسار الأساسي، بالتزامن مع ارتفاع عجز الحساب الجاري بحوالي 1.5 مليار دولار إضافية.

لكن ما يجعل الوضع الحالي أكثر حساسية هو أن سعر برنت لم يعد يتحرك داخل نطاق السيناريو الذي بنيت عليه تلك الحسابات، بل تجاوز 108 دولارات، بينما تظل الأسواق تحت تأثير مخاوف مرتبطة بالإمدادات والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وبالنسبة للمغرب، فإن استمرار النفط في مستويات مرتفعة لن يكون مجرد خبر يومي عن الأسواق العالمية، بل قد يتحول إلى فاتورة اقتصادية متراكمة تظهر تدريجياً في الواردات، والأسعار، والميزانية، والحساب الجاري، واحتياطات النقد الأجنبي.

ومن هنا تبرز أهمية عتبة 120 دولاراً التي سبق أن تحدث عنها الجواهري. فالمغرب لم يصل بعد إلى هذا الرقم، لكن وصول برنت إلى أكثر من 108 دولارات يعني أن المسافة أصبحت قصيرة نسبياً، وأن السؤال الذي كان قبل أشهر يبدو افتراضياً بدأ يقترب من الواقع: إلى أي حد تستطيع المالية العمومية والاحتياطيات والاقتصاد المغربي امتصاص صدمة نفطية جديدة إذا استمرت الأسعار المرتفعة لأسابيع أو أشهر؟

الاختبار الحقيقي لن يكون في قدرة المغرب التقنية على الوصول إلى خط الائتمان المرن، فشبكة الأمان موجودة أصلاً، وإنما في المدة التي يمكن خلالها للاقتصاد تحمل فاتورة الطاقة المرتفعة قبل أن يصبح اللجوء إلى تلك الشبكة خياراً عملياً وليس مجرد إجراء احتياطي.

وبذلك، فإن تجاوز النفط حاجز 108 دولارات لا يعني أن المغرب دخل تلقائياً في أزمة مالية، لكنه يضع الاقتصاد أمام واحدة من أكثر الفرضيات الخارجية إزعاجاً خلال المرحلة الحالية، خصوصاً إذا واصلت الأسعار صعودها باتجاه 120 دولاراً أو استقرت لفترة طويلة فوق 100 دولار. عندها لن يكون الحديث فقط عن سعر المحروقات في السوق، بل عن فاتورة تمتد آثارها إلى النمو والتضخم والعملة الصعبة والمالية العمومية والقدرة الشرائية للمغاربة.

14/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts