من جبل كركر بأفسو إلى سفوح مون بلان، يبدو أن الرحلة الروحية للشيخ فوزي الكركري دخلت مرحلة جديدة، لكن هذه المرة في واحدة من أكثر المناطق الجبلية شهرة في أوروبا. فوفق الإعلان المتداول، يستعد الشيخ لتنظيم خلوة روحية بمدينة شاموني الفرنسية بين 4 و7 ديسمبر 2026، في محيط مون بلان، وسط الثلوج والقمم التي يصل أعلاها إلى نحو 4805 أمتار.
المفارقة ليست في ممارسة الذكر أو التأمل أو تنظيم خلوة روحية، فهذه كلها ممارسات تدخل في نطاق الحرية الدينية والشخصية، وإنما في الخطاب الذي يحيط بهذه الممارسات والطريقة التي يتم بها تقديمها باعتبارها مساراً استثنائياً للخلاص والارتقاء الروحي.
فبحسب البرنامج المعلن، ستجمع الخلوة بين الصلوات والأذكار والمجالس الروحية والتأمل، إلى جانب المشي والرحلات الجبلية والأنشطة الجماعية. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام ممارسة روحية بسيطة، أم أمام صناعة صورة رمزية ضخمة حول الشيخ وأتباعه، تجعل الجبل والارتفاع والثلج جزءاً من بناء هالة روحية حول التجربة؟
المشكلة تبدأ عندما يتحول الشيخ من مجرد مؤطر ديني أو صوفي إلى مرجعية تُقدَّم أفكارها باعتبارها طريقاً خاصاً للحقيقة والنجاة. عندها يصبح من المشروع طرح الأسئلة حول حدود العلاقة بين الشيخ والمريد، وحول مساحة التفكير المستقل، وحول ما إذا كان الخطاب الروحي يفتح باباً أمام العقل أم يدفع أتباعه إلى التسليم المطلق.
فالدين، في جوهره، لا يحتاج إلى مون بلان ولا إلى ارتفاع 4805 أمتار حتى يكون حاضراً في حياة الإنسان. ولا تحتاج التقوى إلى قمم أوروبية شاهقة كي تصبح أكثر قيمة. الإيمان ليس سباقاً نحو الأماكن المرتفعة، والروحانية لا تُقاس بعدد الرحلات ولا بجمال الصور ولا بهيبة الثلوج.
والأخطر، بالنسبة إلى منتقدي هذا النوع من الخطاب، هو تقديم التجربة الروحية في قالب قد يوحي بأن القرب من الله يمر عبر شيخ بعينه أو جماعة بعينها أو طقوس بعينها. هنا تنتقل المسألة من ممارسة دينية شخصية إلى قضية تستحق النقاش العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتأثير الخطاب الديني على وعي الأتباع وطريقة تفكيرهم ونظرتهم إلى المجتمع والعالم.
أما الانتقال من كركر إلى مون بلان، ومن مجالس الذكر إلى قلب جبال الألب، فيمكن أن يكون رحلة جميلة في الطبيعة وتجربة للتأمل والاستجمام، لكن لا ينبغي أن تتحول جغرافية المكان إلى دليل على عمق التجربة الروحية، ولا أن يصبح ارتفاع الجبل مقياساً لارتفاع الروح.
فالمشكلة ليست في الثلج، ولا في الجبل، ولا في الخلوة، وإنما في الأفكار التي تُحمّل لهذه الخلوة، وفي الطريقة التي يُقدَّم بها الشيخ لأتباعه.
وفي زمن يحتاج فيه الشباب إلى العلم والتفكير النقدي والقدرة على مساءلة الأفكار، يصبح من المشروع مساءلة كل خطاب ديني يحاول احتكار الحقيقة أو بناء علاقة تقوم على التسليم بدل النقاش، وعلى التبعية بدل الاستقلال الفكري.
قد يكون مون بلان مرتفعاً بـ4805 أمتار، لكن ارتفاع الجبل لا يمنح أي شخص سلطة دينية إضافية. وقد يكون الصمت في أعالي الألب ساحراً، لكن الصمت لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإسكات العقل.
القمة الحقيقية ليست التي يصعد إليها الإنسان فوق الثلج، وإنما تلك التي يصل إليها بعقله ووعيه وقدرته على التفكير بحرية.
14/09/2026