أعاد تقرير نشره موقع إسباني متخصص في الشؤون العسكرية والحربية تسليط الضوء على تطور التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة والمغرب، بعدما كشف عن تسعة عقود وبرامج أمريكية حديثة يندرج المغرب ضمن الدول المستفيدة منها، بالتزامن مع إجراءات مرتبطة بإمكانية بيع ما يصل إلى 600 صاروخ من طراز “ستينغر”، بقيمة تقديرية قصوى تصل إلى 825 مليون دولار.
لكن العنوان الذي اختاره الموقع الإسباني، والذي تحدث عن تسليح الولايات المتحدة للمغرب “حتى الأسنان”، يبدو أكثر إثارة من التفاصيل الرسمية التي تتضمنها الوثائق الأمريكية، إذ إن الأمر يتعلق بمنظومة واسعة من برامج التعاون والتجهيز والصيانة والتدريب والدعم التقني، فيما لا تزال صفقة صواريخ “ستينغر” في إطار البيع العسكري المحتمل، ولم تتحول إلى عقد شراء نهائي موقع.
ووفقا لوكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية، فقد وافقت وزارة الخارجية الأمريكية في أبريل 2025 على إمكانية بيع المغرب ما يصل إلى 600 صاروخ من طراز “إف آي إم-92 كاي ستينغر بلوك 1″، إلى جانب خدمات الدعم الهندسي واللوجستي والتقني، بتكلفة تقديرية قصوى تبلغ 825 مليون دولار، بعد إخطار الكونغرس الأمريكي بالعملية باعتبارها صفقة عسكرية محتملة.
وتوضح الوثائق الأمريكية أن مبلغ 825 مليون دولار لا يمثل قيمة نهائية لصفقة موقعة، وإنما سقفا تقديريا أقصى للعملية، وهو ما يجعل التمييز بين الموافقة على بيع محتمل وإبرام عقد شراء فعلي أمرا ضروريا عند قراءة الأرقام العسكرية التي تتداولها وسائل الإعلام.
أما العقود والبرامج التسعة التي استند إليها التقرير الإسباني، فلا تمثل تسعة عقود حصرية للمغرب، وإنما تشمل برامج أمريكية متعددة الدول يندرج المغرب ضمن المستفيدين منها، خصوصا تلك المرتبطة بمقاتلات “إف-16” وأنظمة الرادار والإلكترونيات والصيانة والتدريب. وهذه النقطة تجعل عبارة “تسليح المغرب حتى الأسنان” أقرب إلى اللغة الصحفية المثيرة منها إلى توصيف دقيق لطبيعة هذه العقود.
ومن بين أحدث هذه البرامج عقد أُسند في 31 غشت إلى شركة “سي إيه إي”، بقيمة قصوى تبلغ 42.1 مليون دولار، لتوفير نظامين متكاملين للتدريب على مهام مقاتلات “إف-16 بلوك 72” التابعة للقوات الجوية الملكية المغربية، إلى جانب الدعم اللوجستي المرتبط بهما، على أن يتم تركيب أجهزة المحاكاة في قاعدة سيدي سليمان ويستمر العقد إلى أبريل 2029.
وفي 17 غشت، حصلت شركة “لوكهيد مارتن” على عقد تصل قيمته إلى 31.29 مليون دولار لتقديم خدمات هندسية ومساعدة تقنية لأساطيل مقاتلات “إف-16” في عشر دول، من بينها المغرب، فيما حصلت شركة “نورثروب غرومان” في أبريل على عقد تصل قيمته إلى 488 مليون دولار لتقديم الدعم الهندسي والتقني لرادارات “إيه بي جي-66″ و”إيه بي جي-68” المستخدمة من قبل أساطيل “إف-16” في عدد من الدول، بينها المغرب.
كما يشمل التعاون برنامجا لشركة “بي إيه إي سيستمز” بقيمة قصوى تبلغ 98.87 مليون دولار لدعم واستدامة مكونات إلكترونيات الطيران الخاصة بمقاتلات “إف-16″، إضافة إلى برنامج لشركة “برات آند ويتني” بقيمة تقديرية تصل إلى 470 مليون دولار لإعادة تصنيع وحدات من محركات “إف-100” المستخدمة من قبل مشغلي مقاتلات “إف-16″، ومن بينهم المغرب.
وتظهر شركة “رايثيون” بدورها ضمن هذه المنظومة من خلال عقد تصل قيمته إلى 398.7 مليون دولار لأعمال التصميم والتطوير المرتبطة بتكوينات جديدة لصواريخ “إيه آي إم-120 أمرام” جو-جو، في برنامج يضم عددا من الدول المستفيدة من المبيعات العسكرية الأمريكية الخارجية، من بينها المغرب.
ولا تتوقف هذه البرامج عند شراء المعدات، بل تشمل التدريب والصيانة والهندسة والرادارات والإلكترونيات والمحركات والحرب الإلكترونية، بما يعكس طبيعة التعاون العسكري طويل الأمد بين واشنطن والرباط، خصوصا في ما يتعلق بأسطول مقاتلات “إف-16”.
ويضم برنامج الطيران القتالي المغربي، وفقا للبيانات التي أوردها التقرير، 25 مقاتلة جديدة من طراز “إف-16 سي/دي بلوك 72” ضمن صفقة قدرت قيمتها سابقا بنحو 3.787 مليار دولار، إلى جانب تحديث 23 مقاتلة موجودة إلى معيار “إف-16 في” في إطار برنامج قدرت قيمته بنحو 985.2 مليون دولار. وتشمل حزم التحديث رادارات متطورة وحواسيب للمهام وأنظمة اتصال وتبادل معلومات ومعدات للملاحة والحرب الإلكترونية.
وفي هذا السياق، تختلف صواريخ “ستينغر” عن البرامج المرتبطة بمقاتلات “إف-16″، لأنها مخصصة للدفاع الجوي قصير جدا المدى، ويمكن أن تضيف إلى منظومة الدفاع الجوي للقوات البرية قدرة مختلفة عن تلك التي توفرها الطائرات المقاتلة والصواريخ بعيدة أو متوسطة المدى.
وتقول وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية إن المغرب طلب هذه الصواريخ بهدف تحديث وتوسيع قدراته الحالية في مجال الدفاع الجوي قصير المدى، مشيرة إلى أن الصفقة المقترحة ترتبط، من وجهة النظر الأمريكية، بأمن حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي.
وهنا تظهر المفارقة في التقرير الإسباني: فبينما يوحي عنوانه بأن واشنطن أبرمت فجأة صفقة ضخمة لتسليح المغرب، تكشف الوثائق الأمريكية عن مسار أكثر تعقيدا، يجمع بين صفقات محتملة وعقود متعددة الدول وبرامج صيانة وتدريب ودعم فني تمتد لسنوات.
وبالتالي، فإن الرقم الكبير البالغ 825 مليون دولار لا ينبغي قراءته باعتباره مبلغا دفعه المغرب بالفعل لشراء 600 صاروخ، بل باعتباره السقف التقديري الأعلى لصفقة محتملة تشمل الصواريخ ومعدات وخدمات الدعم المرتبطة بها، فيما تظل القيمة النهائية مرتبطة بالشروط النهائية للعملية والتمويل والعقود التي قد يتم توقيعها لاحقا.
أما الصورة الأوسع التي تكشفها هذه البرامج، فهي أن التعاون الدفاعي المغربي الأمريكي لا يقتصر على شراء منصات عسكرية، وإنما يمتد إلى منظومة متكاملة من التدريب والصيانة والهندسة والرادارات والمحركات والإلكترونيات والحرب الإلكترونية، وهي عناصر ترتبط بالحفاظ على جاهزية المعدات وتشغيلها على المدى الطويل.
وهكذا، فإن قراءة العنوان الإسباني وحده قد تقدم صورة مختلفة عن تلك التي تكشفها الوثائق الأمريكية. فالموضوع ليس مجرد “600 صاروخ”، ولا تسعة عقود مغربية خالصة، وإنما شبكة من البرامج العسكرية الأمريكية التي يشارك المغرب في عدد منها، إلى جانب صفقة “ستينغر” المحتملة التي ما تزال قيمتها النهائية وشروطها مرتبطة بمراحل لاحقة.
وفي النهاية، فإن الأرقام العسكرية الكبيرة تحتاج إلى قراءة دقيقة، لأن عالم صفقات السلاح لا يفرق فقط بين الطائرة والصاروخ والرادار، بل أيضا بين الصفقة المحتملة والعقد الموقع، وبين العقد الخاص بدولة واحدة والبرنامج متعدد الدول. وهذه التفاصيل هي التي تكشف الفارق بين العنوان المثير وبين ما تقوله الوثائق الرسمية فعليا.
17/09/2026