في خطوة تأتي في خضم الجدل المتصاعد حول تدبير أزمة سبتة، حلت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس، الجمعة، بمقر المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية، حيث التقت عدداً من العاملين بالجهاز وكرّمت أربعة منهم، في زيارة حملت أكثر من دلالة، خصوصاً أنها جاءت بعد أيام قليلة من رفع السرية عن عشرات الوثائق المرتبطة بالتدفق الجماعي للمهاجرين نحو المدينة المحتلة.
وبحسب ما أورده موقع «إنفوبي» الإسباني، فقد اكتفت وزارة الدفاع بنشر صورة للوزيرة إلى جانب بيان مقتضب قدّم الزيارة باعتبارها لقاءً اعتيادياً مع موظفي المركز، غير أن توقيتها أعاد إلى الواجهة الجدل بشأن أداء جهاز الاستخبارات والدور الذي لعبه قبل أحداث 30 يوليوز.
فالوثائق التي قررت الحكومة الإسبانية رفع السرية عنها مؤخراً أظهرت أن المركز الوطني للاستخبارات كان قد رصد دعوات لتنفيذ عملية دخول جماعي إلى سبتة، بل وجّه، في 29 يوليوز، تحذيرات عبر تطبيق «واتساب» إلى جهات أمنية وإدارية، تحدث فيها عن احتمال تنفيذ عملية اقتحام عبر البحر والسياج في اليوم الموالي.
وتكشف إحدى الرسائل، وفق الوثائق التي نشرتها وسائل إعلام إسبانية، أن التحذير لم يكن عاماً فقط، إذ أشار إلى دعوات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنفيذ «اقتحام عبر السياج والبحر»، مستفيدة من انشغال القوات الأمنية المغربية باحتفالات عيد العرش، مع الإشارة إلى حجم انتشار تلك الدعوات داخل مجموعات ومنصات تضم عشرات الآلاف من المتابعين.
المثير في القضية أن الجدل لم يعد مقتصراً على سؤال ما إذا كانت الاستخبارات قد حذرت من احتمال وقوع محاولة دخول، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية: هل وصلت التحذيرات إلى الجهات التي كان يفترض أن تتعامل معها، وهل كانت المعلومات المتوفرة كافية لتقدير حجم ما سيحدث؟
وهنا ظهرت روايتان متباينتان داخل الحكومة الإسبانية.
فوزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا تمسك بموقفه القائل إن أياً من التقارير لم يكن يسمح باستشراف ما وقع فعلياً في 30 يوليوز، بينما دافعت روبليس عن أداء الاستخبارات، مؤكدة أن الجهاز نقل معلومات وتحذيرات إلى الجهات المعنية قبل الأحداث.
ومع نشر الوثائق السرية، تبين وجود مراسلات فعلية من جهاز الاستخبارات قبل يوم واحد من التدفق الجماعي، وهو ما أعاد النقاش إلى نقطة جوهرية: التحذير كان موجوداً، لكن تقدير حجم العملية ودرجة الاستعداد لها ظل محل خلاف داخل مؤسسات الدولة الإسبانية نفسها.
كما أن الحكومة الإسبانية أوضحت أن الوثائق المفرج عنها لا تعني أن الجهاز كان قادراً على توقع الحجم النهائي للأحداث؛ فقد كانت المعلومات المتوفرة تشير إلى احتمال محاولة دخول جماعي، دون أن تتنبأ بشكل كامل بالأعداد التي ستصل لاحقاً.
وفي ظل استمرار الجدل، اختارت روبليس الدفاع عن الجهاز مع ترك هامش للنقد والمراجعة، مؤكدة أن أداء المؤسسات يمكن دائماً تحسينه.
ولم يتوقف الملف عند حدود التصريحات الإعلامية، إذ أعلنت روبليس، خلال جلسة بمجلس الشيوخ في 15 شتنبر، استعدادها للمثول أمام لجنة الأسرار الرسمية بالبرلمان رفقة مديرة المركز الوطني للاستخبارات إسبيرانزا كاستيلييرو، لتقديم توضيحات بشأن أزمة سبتة، وذلك في سياق مطالبات سياسية بمزيد من الشفافية حول ما جرى قبل 30 يوليوز.
وهكذا، تحولت زيارة روبليس إلى مقر الـCNI إلى محطة جديدة في أزمة لم تُغلق فصولها بعد؛ فبينما تؤكد وزيرة الدفاع أن جهاز الاستخبارات قام بدوره وحذّر من خطر الدخول الجماعي، يظل داخل الحكومة الإسبانية نفسها خلاف واضح حول طبيعة تلك التحذيرات ومدى كفايتها، في وقت كشفت فيه الوثائق المفرج عنها أن شيئاً ما كان معروفاً قبل ساعات من انفجار الأزمة.
19/09/2026