في واحدة من أكثر الجولات الانتخابية إثارة للانتباه خلال الأيام الأخيرة من الحملة، نزل عمر حجيرة، مرشح حزب الاستقلال أمس بوجدة أمس إلى عدد من أسواق المدينة ، في محاولة لحشد أصوات التجار والباعة والساكنة قبل موعد الاقتراع المقرر يوم 23 شتنبر الجاري.
وحجيرة، الذي يخوض الانتخابات من أجل الحفاظ على مقعده البرلماني، اختار هذه المرة مخاطبة الناخبين من بوابة العلاقات الشخصية والذكريات القديمة، متنقلاً بين الباعة والتجار، وموزعاً التحيات والمصافحات، فيما بدا، بحسب ما رصدته الجريدة، حريصاً بشكل لافت على الانحناء نحو أيادي عدد من التجار ومحاولة تقبيلها، في مشهد أثار انتباه المتواجدين بالأسواق.
المشهد الانتخابي كان واضحاً: المرشح يدخل إلى السوق بابتسامة مصطنعة عريضة، وبشعر الرأس المصبوغ كعادته والبراق بالزيت ، يتوقف عند هذا التاجر وذاك البائع، يصافح هذا الشخص، وينحني لتحية آخر، ثم ينتقل إلى الحديث عن الماضي، وكأن ذاكرة السوق تحولت فجأة إلى ورقة انتخابية قبل ثلاثة أيام فقط من فتح صناديق الاقتراع.
ولم يكتف حجيرة بالمصافحة والتحية، بل عاد إلى خطاب “أنا أعرفك” و”أنا أخوك” و”كنت أجلس هنا قبل ماتجي أنت”، مستحضراً جلسات الشاي التي يقول إنه كان يقضيها رفقة الباعة، خصوصاً بائعي النعناع والكران، قبل أن يذكر آخرين من أصحاب محلات الملابس وبائعي السلع المختلفة.
( أنا كنت نجلس هنا ونشرب الشاي معكم ) … عبارات من هذا القبيل حضرت بقوة خلال الجولة، إلى جانب استحضار أسماء الآباء والأمهات والعائلات، في محاولة واضحة لإعادة بناء جسور عاطفية مع أشخاص يعرفهم المرشح منذ سنوات.
لكن اللافت أكثر كان الأسلوب الذي تعامل به مع عدد من التجار، حيث بدا في أكثر من مناسبة وكأنه يسعى إلى إظهار أقصى درجات التودد، من خلال الانحناء نحو أيدي بعضهم ومحاولة تقبيلها، وهو السلوك الذي جعل الجولة تتحول من مجرد حملة انتخابية عادية إلى مشاهد تختلط فيها السياسة بالمجاملة واستدرار التعاطف.
وفي الوقت الذي كان فيه حجيرة يخاطب بعض التجار بعبارات الأخوة والصداقة، كان عدد من المتواجدين يردون عليه باستحضار علاقته القديمة بعائلاتهم، من قبيل “نعرفوك” و”نعرفو الوالد” و”نعرفو الوالدة”، في مشاهد تكشف كيف تحاول الحملات الانتخابية في لحظاتها الأخيرة استثمار العلاقات الشخصية والروابط العائلية إلى أقصى حد.
غير أن هذه الجولة تطرح سؤالاً أكبر من مجرد المصافحة وتبادل التحايا: لماذا لا يظهر هذا النوع من التواصل المكثف مع التجار والباعة والساكنة إلا عندما تقترب الانتخابات؟
هذا السؤال أصبح مطروحاً بقوة وسط منتقدي حجيرة، الذين يعتبرون أن الحضور الانتخابي لا ينبغي أن يقتصر على الأيام الأخيرة من الحملة، خصوصاً بالنسبة لمرشح راكم سنوات من الحضور البرلماني والسياسي.
فبالنسبة لهؤلاء المنتقدين، فإن الناخب لا يحتاج فقط إلى مرشح يعرفه ويصافحه ويتذكر معه جلسات الشاي، وإنما يريد أيضاً أن يعرف ماذا تحقق فعلياً خلال الولايات السابقة، وماذا تغير في حياته اليومية، وما الذي سيحمله المرشح الجديد إلى البرلمان إذا جدد الناخبون ثقتهم فيه.
واللافت أن حجيرة، بدل تقديم خطاب انتخابي يقوم فقط على البرامج والحصيلة، عاد في أسواق وجدة إلى لغة القرب الشخصي: «أنا أخوك»، «أنا أعرفك»، «كنت أجلس هنا»، و«سلم لي على الوالدين»، في محاولة لاستحضار علاقة إنسانية قديمة في لحظة انتخابية دقيقة.
ومع اقتراب موعد التصويت، يبدو أن المعركة الانتخابية في وجدة لم تعد فقط صراعاً بين البرامج واللوائح، بل تحولت أيضاً إلى سباق لاستمالة الناخبين بكل الوسائل الخطابية الممكنة، من اللقاءات السياسية إلى الأسواق الشعبية، ومن عرض البرامج إلى استحضار العلاقات القديمة.
أما «ذكريات الشاي» ومحاولات تقبيل أيادي التجار، فقد أصبحت جزءاً من المشهد الذي ستُختبر نتيجته الحقيقية يوم 23 شتنبر، عندما تتحول الابتسامات والمصافحات والوعود إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
