kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا تستنفر ضد “عيون السماء”.. جدار إلكتروني في 4 أسابيع لحماية المواقع الحساسة

إسبانيا تستنفر ضد “عيون السماء”.. جدار إلكتروني في 4 أسابيع لحماية المواقع الحساسة

لم تعد المسيّرات تحلق في سماء أوروبا باعتبارها مجرد طائرات صغيرة للمراقبة والتصوير، بل تحولت إلى هاجس أمني يفرض نفسه على الجيوش والمنشآت الحساسة. وفي إسبانيا، يبدو أن الإنذار بلغ مرحلة جديدة، بعدما برز مشروع لنشر أول “حاجز مضاد للمسيّرات” خلال أربعة أسابيع فقط، في خطوة تعكس حجم القلق من طائرات يمكن أن تظهر فجأة فوق منشأة استراتيجية أو موقع عسكري أو بنية حيوية.

وبحسب ما أوردته مجلة “إنفو ديفينسا” المتخصصة في الشؤون الدفاعية، تراهن شركة إسبانية متخصصة في الاتصالات والحرب الإلكترونية على إقامة منظومة دفاعية قادرة على إنشاء “فقاعات حماية” حول المناطق الحساسة، قبل توسيع نطاقها تدريجياً لتغطية مناطق أوسع من التراب الإسباني خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر.

المثير في هذه الخطوة أن مدريد لا تتعامل مع التهديد باعتباره احتمالاً بعيداً، بل تستعد لمنظومة جديدة من المخاطر التي أصبحت فيها المسيّرة الصغيرة قادرة على إرباك حسابات دفاعية ضخمة. فالطائرة التي كانت في السابق أداة استطلاع رخيصة قد تتحول، في ظروف معينة، إلى وسيلة لاختراق المجال المحمي والوصول إلى أهداف شديدة الحساسية.

وتقترح شركة “إنتيغراسيس” الإسبانية منظومة متعددة الطبقات تعتمد أساساً على الحرب الإلكترونية، من خلال رصد المسيّرات وتحديد مواقعها والتشويش على الاتصالات وأنظمة الملاحة التي تعتمد عليها، بما يسمح بمحاولة قطع الطريق عليها قبل وصولها إلى المناطق المحمية.

وتكتسب هذه التقنية أهميتها من كونها لا تنتظر وصول المسيّرة إلى الهدف، بل تقوم على إنشاء نطاق حماية إلكتروني حول المنشأة، بحيث تصبح الطائرة أمام شبكة من وسائل الكشف والتشويش والتعطيل. وبذلك تنتقل المعركة من مطاردة المسيّرة في اللحظات الأخيرة إلى محاولة شل قدرتها على الوصول منذ مراحل مبكرة.

وتقول الشركة إن المرحلة الأولى من المشروع يمكن تنفيذها خلال نحو أربعة أسابيع في المواقع الأكثر حساسية، على أن يجري بعد ذلك توسيع نطاق المنظومة لتغطية مناطق أكبر خلال ثلاثة إلى أربعة أشهر، إذا توفرت القرارات والتجهيزات والتراخيص الضرورية.

وتعتمد المنظومة المقترحة على هوائيات وتجهيزات متخصصة في الكشف والاتصالات وتحديد مصادر الإشارات والتشويش، بما يسمح بالتعامل مع أنواع مختلفة من المسيّرات، وهو ما يعكس اتجاهاً متزايداً نحو دمج وسائل الاستشعار والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي داخل منظومة واحدة.

وتأتي هذه التحركات في وقت أصبحت فيه أوروبا أكثر حساسية تجاه خطر المسيّرات، خصوصاً بعد التطور الكبير الذي شهدته هذه التكنولوجيا في السنوات الأخيرة، وتحولها إلى عنصر أساسي في النزاعات الحديثة. ولم يعد حجم الطائرة هو المعيار الوحيد لقياس الخطر، بعدما أثبتت التجارب أن منصات صغيرة ومنخفضة التكلفة يمكن أن تفرض تحديات كبيرة على أنظمة دفاعية باهظة الثمن.

وتقول “إنتيغراسيس” إنها راكمت خبرة تمتد لأكثر من 35 عاماً في مجال الاتصالات الفضائية والدفاع والحرب الإلكترونية، كما سبق لها تركيب أنظمة مماثلة في الولايات المتحدة وفرنسا، إلى جانب نشاطها في مجال تقنيات الحماية من التشويش والحرب الإلكترونية في أوكرانيا.

وفي موازاة ذلك، تتجه إسبانيا إلى تطوير مقاربة أكثر تكاملاً لمراقبة مجالها الجوي، عبر ربط أجهزة الاستشعار وأنظمة القيادة والسيطرة ووسائل التصدي ضمن منظومة واحدة قادرة على التعامل مع التهديدات الجوية الجديدة.

وتحمل هذه التطورات دلالة واضحة على التحول الذي تشهده المعارك الحديثة: لم تعد الجيوش تخشى فقط الطائرات الحربية والصواريخ بعيدة المدى، بل أصبحت تنظر أيضاً إلى سماء المدن والمنشآت الاستراتيجية باعتبارها مجالاً مفتوحاً أمام طائرات صغيرة قد يصعب اكتشافها والتعامل معها في الوقت المناسب.

وفي الضفة الشمالية للمتوسط، يكتسب هذا التطور أهمية خاصة، بالنظر إلى حساسية المجال الجوي والبحري المحيط بإسبانيا وموقعها الاستراتيجي بين أوروبا وشمال إفريقيا. فكلما اتسعت دائرة استخدام المسيّرات، ازدادت الحاجة إلى حماية الموانئ والمطارات والمنشآت العسكرية ومراكز الطاقة والاتصالات وغيرها من البنيات التي يمكن أن تتحول إلى أهداف محتملة.

وهكذا، تستعد إسبانيا على ما يبدو لمرحلة جديدة عنوانها “سماء بلا فراغات”، حيث لن يكون كافياً أن تعرف مدريد ما يحلق فوق أراضيها، بل سيكون عليها أن تعرف من أين جاءت المسيّرة، ومن يتحكم فيها، وإلى أين تتجه، والأهم: كيف يمكن إسقاط خطرها قبل أن يتحول إلى واقع.

ففي زمن أصبحت فيه طائرة صغيرة قادرة على فرض حالة استنفار على مؤسسة عسكرية كاملة، يبدو أن المعركة المقبلة لن تبدأ عندما تصل المسيّرة إلى الهدف… بل قبل ذلك بكثير، في السماء وفي الفضاء الإلكتروني معاً.

25/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts