في تطور جديد يكشف طبيعة الحراك الدبلوماسي المتسارع حول قضية الصحراء المغربية ، وضعت الإدارة الأميركية مرة أخرى مقترح الحكم الذاتي المغربي في قلب المسار السياسي، في وقت أقرت فيه واشنطن بأن الوصول إلى تسوية نهائية لا يزال يحتاج إلى مزيد من العمل والمفاوضات.
وأكد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، أن الولايات المتحدة لا ترى في الوقت الراهن حلاً نهائياً وشيكاً للنزاع، مشدداً في المقابل على أن واشنطن تواصل تحركاتها واتصالاتها مع مختلف الأطراف، وعلى رأسها جبهة البوليساريو، التي لا تزال مطالبة بتقديم ملاحظاتها بشأن المقترح المغربي للحكم الذاتي.
وقال بولس، في مقابلة تلفزيونية ، إن الجولات الثلاث من المحادثات التي شارك فيها المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو لم تفض بعد إلى اتفاق نهائي، مضيفاً أن «الكثير» من العمل لا يزال يتعين القيام به، وأن الجانب الأميركي مستمر في التواصل مع جبهة البوليساريو.
لكن الأهم في تصريحات المسؤول الأميركي لا يتعلق فقط بتأكيد استمرار المفاوضات، بل بالمرجعية التي تتحرك على أساسها واشنطن داخل هذا المسار؛ إذ أوضح بولس أن المقاربة الأميركية تنطلق من الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما يمنح المبادرة المغربية موقعاً مركزياً في التحرك الدبلوماسي الأميركي.
وبذلك، فإن غياب حل فوري لا يعني، وفق المعطيات التي قدمها المسؤول الأميركي، غياب اتجاه واضح للمسار الذي تحاول واشنطن دفع الأطراف نحوه، خصوصاً أن مقترح الحكم الذاتي المغربي أصبح حاضراً بشكل مباشر في النقاشات الأميركية حول التسوية.
ويأتي هذا التطور في سياق دولي سبق أن سجل فيه مجلس الأمن، في القرار 2797، دعم عدد من الدول لمقترح المغرب للحكم الذاتي، مع الإشارة إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل حلاً قابلاً للتطبيق للنزاع.
وفي حديثه عن الدور الجزائري، أكد بولس أن الجزائر قدمت له «مساعدة كبيرة» خلال تحركاته بشأن الملف، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الجزائر لا تستطيع فرض حل على الصحراويين بالقوة، معتبراً أن بإمكانها، في المقابل، التشجيع على التوصل إلى تسوية.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية بالنظر إلى التحركات التي قام بها بولس في نيويورك، حيث أجرى لقاءات منفصلة مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الجزائري أحمد عطاف، في إطار مساعٍ أميركية لتقريب وجهات النظر ودفع المسار السياسي نحو مرحلة أكثر حسماً.
وبينما تناول لقاء بولس وبوريطة الشراكة المغربية الأميركية والأولويات الإقليمية المشتركة، ركز اللقاء مع عطاف على تطورات قضية الصحراء واستمرار التشاور بشأنها، بما يعكس حجم الاهتمام الأميركي بالملف في هذه المرحلة.
وتتجه الأنظار الآن إلى مجلس الأمن، حيث ينتظر أن تتواصل المناقشات المرتبطة بملف الصحراء وتجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة «مينورسو»، التي تمتد ولايتها الحالية إلى 31 أكتوبر 2026. وكان قرار مجلس الأمن 2797 قد مدد مهمة البعثة لمدة عام، في وقت أكدت فيه الولايات المتحدة تمسكها بدفع الأطراف نحو حل سياسي متوافق عليه.
وفي المحصلة، تكشف تصريحات المسؤول الأميركي عن معادلة دقيقة: لا تسوية نهائية جاهزة بعد، لكن الحكم الذاتي المغربي يظل حاضراً في صلب المقاربة الأميركية، بينما تنتظر واشنطن رد جبهة البوليساريو ومواقف بقية الأطراف قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من المفاوضات.
وهكذا، فإن الرباط تدخل هذه المرحلة وهي متمسكة بمقترح الحكم الذاتي كإطار للحل، في وقت أصبح فيه هذا المقترح جزءاً أساسياً من النقاش الدولي حول مستقبل النزاع، وهو ما يمنح التحرك الدبلوماسي المغربي ورقة مركزية في المسار الذي تقوده الأمم المتحدة ويدعمه التحرك الأميركي.
26/09/2026