kawalisrif@hotmail.com

أوروبا تشدد الخناق على التسويق الأخضر  .. قواعد جديدة تضع المنتجات المغربية أمام امتحان الاستدامة

أوروبا تشدد الخناق على التسويق الأخضر .. قواعد جديدة تضع المنتجات المغربية أمام امتحان الاستدامة

دخلت قواعد أوروبية جديدة حيز التنفيذ، اليوم الأحد، لتشديد الرقابة على ما يعرف بـ”التظاهر بالاستدامة البيئية” أو غرين ووشينغ، في خطوة من شأنها إعادة رسم جزء مهم من قواعد المنافسة داخل السوق الأوروبية، وفرض معايير أكثر صرامة على المنتجات التي تقدم نفسها للمستهلك باعتبارها بيئية أو خضراء أو صديقة للبيئة.

وتمنع القواعد الجديدة، المنبثقة عن توجيه إمبكو المتعلق بتمكين المستهلكين، استعمال عبارات من قبيل بيئي وعضوي وأخضر أو قابل للتحلل الحيوي من دون وجود مبررات واضحة وبيانات يمكن الاستناد إليها. كما تمنع تقديم ميزة بيئية تخص جزءا من المنتج وكأنها تنطبق على المنتج بأكمله، إضافة إلى وضع قيود على ادعاءات الحياد المناخي التي تعتمد فقط على تعويض الانبعاثات.

ورغم أن هذه القواعد تستهدف أساسا السوق الأوروبية والشركات العاملة فيها، فإن تأثيرها لن يتوقف عند حدود الاتحاد الأوروبي، بل سيمتد عمليا إلى الموردين والشركاء التجاريين من خارج أوروبا، ومن بينهم المغرب، بالنظر إلى الحضور القوي للمنتجات المغربية داخل الأسواق الأوروبية، خصوصا في قطاعات الفلاحة والصناعات الغذائية والنسيج والمنتجات الصناعية والاستهلاكية.

وهنا تبدأ مرحلة جديدة بالنسبة إلى المنتج المغربي، إذ لن يكون كافيا مستقبلا أن يحمل المنتج عبارات تسويقية جذابة حول احترام البيئة أو الاستدامة، بل سيصبح مطلوبا بشكل متزايد أن تكون هذه الادعاءات قابلة للإثبات والتوثيق، وأن تتوفر الشركات على بيانات واضحة حول مصدر المواد الأولية، وطريقة الإنتاج، واستهلاك الطاقة والمياه، والتغليف، وإمكانية إعادة التدوير أو الإصلاح، بحسب طبيعة كل منتج.

وبالنسبة إلى الصادرات المغربية نحو أوروبا، قد تتحول هذه المعايير من مجرد التزام قانوني أوروبي إلى عامل مؤثر في القدرة على الولوج إلى السوق والمحافظة على موقع المنتج داخل سلاسل التوريد الأوروبية. فالمستورد الأوروبي سيكون أكثر حاجة إلى معلومات موثوقة حول الخصائص البيئية للمنتجات التي يشتريها، خصوصا مع تشدد القواعد المتعلقة بمنع الادعاءات المضللة.

ويفتح هذا التحول، في المقابل، فرصة أمام المغرب لتسريع انتقال جزء من صادراته نحو نموذج أكثر اعتمادا على الجودة والتتبع والاستدامة، بدل الاكتفاء بالمنافسة على السعر. فالمنتج المغربي الذي يستطيع إثبات مصدره، وظروف إنتاجه، ومستوى استهلاكه للمياه والطاقة، وطريقة تدبير نفاياته وتغليفه، سيكون أكثر استعدادا للتعامل مع سوق أوروبية تتجه نحو جعل المعلومة البيئية جزءا من قرار الشراء.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى المنتجات الفلاحية المغربية، التي تشكل جزءا مهما من الصادرات نحو أوروبا. فخلال المرحلة المقبلة، لن يكون الحديث عن جودة الطماطم أو الفواكه والخضر كافيا وحده، بل ستزداد أهمية الطريقة التي أنتجت بها هذه السلع، وحجم الموارد المستعملة في إنتاجها، وطريقة نقلها وتغليفها، ومدى قدرة المصدر على تقديم معطيات دقيقة وموثوقة عند الحاجة.

كما يمكن أن تمتد التداعيات إلى قطاع الصناعات الغذائية، حيث ستصبح العبارات المتعلقة بالمنتج الطبيعي أو العضوي أو الصديق للبيئة أكثر حساسية، خصوصا إذا لم تكن مدعومة بشهادات أو معطيات واضحة. وهذا يعني أن الشركات المغربية التي تستهدف المستهلك الأوروبي ستكون مطالبة بإعادة النظر في بعض أساليب التسويق والتعبئة والتواصل التجاري.

ولا تقف القواعد الأوروبية عند مسألة غرين ووشينغ فقط، بل تشمل أيضا محاربة التقادم المبكر والمبرمج. إذ تمنع تصميم المنتجات بعمر محدود بهدف زيادة النفايات، كما تفرض شفافية أكبر بشأن مدة صلاحية المنتجات وقابليتها للإصلاح، وبالنسبة إلى المنتجات الرقمية، مدة توفر تحديثات البرامج والتحديثات الأمنية.

وهذه النقطة قد تكون أكثر ارتباطا بالصناعة المغربية خلال السنوات المقبلة، خصوصا مع تطور الصناعات الإلكترونية والكهربائية وارتفاع حضور المغرب في سلاسل الإنتاج المرتبطة بالسوق الأوروبية. فمعايير عمر المنتج وقابليته للإصلاح والتحديث يمكن أن تتحول تدريجيا إلى عناصر إضافية في المنافسة بين الموردين.

وفي المقابل، فإن تشدد السوق الأوروبية قد يمنح الشركات المغربية فرصة لإعادة تقديم منتجاتها على أساس الجودة والاستدامة والقابلية للتتبع. فبدلا من النظر إلى القواعد الجديدة باعتبارها عبئا إضافيا على المصدرين، يمكن تحويلها إلى حافز لتطوير طرق الإنتاج والتغليف، واعتماد شهادات أكثر دقة، والاستثمار في الاقتصاد الدائري وتقليص استهلاك الموارد.

المسألة إذن لا تتعلق فقط بمنع كلمة أخضر أو بيئي على عبوة منتج، بل بتغيير أوسع في قواعد اللعبة داخل السوق الأوروبية. فالمستهلك الأوروبي يتجه نحو طلب معلومات أكثر دقة، والمشرع الأوروبي يعمل على الحد من الادعاءات التي لا يمكن إثباتها، والمستوردون بدورهم سيحتاجون إلى ضمانات أكبر قبل إدخال المنتجات إلى سلاسل التوزيع.

وبالنسبة إلى المغرب، الذي يرتبط بعلاقات تجارية واسعة مع الاتحاد الأوروبي، فإن المنافسة المقبلة لن تكون على السعر والجودة فقط، بل ستشمل أيضا القدرة على إثبات الأثر البيئي والاجتماعي للمنتج. وكلما استعدت المقاولات المغربية مبكرا لهذه المتطلبات، زادت قدرتها على حماية حصتها في السوق الأوروبية وفتح أبواب جديدة أمام منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.

وقد تتحول هذه القواعد، على المدى المتوسط، إلى اختبار حقيقي لقدرة الصناعة المغربية على الانتقال من منطق التصدير التقليدي إلى منطق المنتج الموثق والمستدام والقابل للتتبع. وفي سوق أوروبية تضيق فيها مساحة الادعاءات التسويقية غير المدعومة بالأدلة، سيكون المستقبل أكثر ارتباطا بما يستطيع المنتج المغربي إثباته، وليس فقط بما يستطيع أن يكتبه على عبوته.

27/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts