في مشهد يكشف حجم التعقيدات التي تحيط بملف جبل طارق، تجد السلطات الإسبانية نفسها أمام واقع يصعب تجاهله: عمليات ردم متواصلة قبالة الجانب الشرقي للصخرة، داخل منطقة بحرية مصنفة ضمن مناطق الحماية البيئية الأوروبية، بينما التحقيق القضائي متوقف، والحرس المدني الإسباني غير قادر على الوصول إلى المنطقة البحرية لمعاينة الأشغال ميدانياً. وكأن مدريد تملك كل شيء إلا القدرة على الاقتراب من موقع الأشغال.
وكشفت معطيات، استناداً إلى وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الانتقال البيئي بتاريخ 15 سبتمبر، أن مشروع Eastside العمراني يواصل التقدم في منطقة تدخل ضمن نطاق المنطقة الخاصة للحفاظ على البيئة “المضيق الشرقي”، وسط انتظار السلطات الإسبانية لقرار قضائي نهائي يحدد ما إذا كان بالإمكان اتخاذ إجراءات إدارية بشأن عمليات الردم.
وتكشف الوثيقة الرسمية أن الملف يعود إلى ديسمبر 2024، عندما شرعت المديرية العامة للتنوع البيولوجي في التحقق من شكايات بشأن انتهاكات محتملة لخطة تدبير المنطقة البحرية المحمية، قبل أن تتم إحالة المعطيات التي جرى جمعها إلى النيابة المختصة في قضايا البيئة والتعمير، وقيادة الحرس المدني في الجزيرة الخضراء، والمحكمة الابتدائية والتحقيق رقم 2 في لا لينيا دي لا كونثبثيون.
غير أن القضية دخلت لاحقاً مرحلة الجمود، بعدما تم حفظ التحقيق الجنائي بشكل مؤقت، فيما أقرت وزارة الانتقال البيئي بأن الإدارة الإسبانية تنتظر صدور قرار قضائي نهائي لتحديد ما إذا كان من الممكن فتح مسطرة إدارية بشأن الأعمال الجارية. وبينما تنتظر المؤسسات الإسبانية القرار، يبدو أن الأشغال لا تعاني بدورها من مشكلة الانتظار، فهي تواصل تقدمها فوق البحر.
وتكمن المفارقة في أن الانتظار القضائي يتزامن مع استمرار الأشغال على الأرض، أو بالأحرى فوق البحر، حيث تتواصل عمليات الردم لإنجاز مشروع Eastside، بينما تشير المعطيات الرسمية إلى وقوع هذه الأعمال داخل مجال بحري يتمتع بالحماية بموجب التشريعات الأوروبية المتعلقة بالمحافظة على الموائل الطبيعية.
والأكثر إثارة في القضية أن الحرس المدني الإسباني لا يستطيع، وفق المعطيات الواردة في الوثيقة، الدخول إلى المنطقة البحرية التي تجري فيها عمليات الردم من أجل أخذ عينات أو تقييم التأثير البيئي للأشغال بشكل مباشر. وتقول السلطات الإسبانية إن سلطات جبل طارق تمنع ذلك، باعتبار أن المنطقة البحرية تقع، وفق موقفها، ضمن اختصاصها.
وهنا تبرز المفارقة التي تجعل الملف أشبه بمشهد عبثي: مدريد تتحدث عن حماية البيئة، وتفتح التحقيقات، وتستعين بالحرس المدني والنيابة المختصة، لكن عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى مكان الأشغال، تتوقف القصة عند حدود البحر. فالمؤسسات الإسبانية تراقب الملف من بعيد، بينما تواصل الجرافات، وفق المعطيات المتاحة، العمل في الموقع.
وهكذا يظهر مشهد بالغ الحساسية في مضيق جبل طارق: مؤسسات إسبانية تقول إن لديها ملفاً قيد التحقيق، ونيابة متخصصة تتابع القضية، ومنطقة بحرية محمية بموجب القواعد الأوروبية، لكن الوصول المباشر إلى موقع الأشغال يظل مقيداً بسبب الخلاف حول الاختصاص.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الإجراءات والمراسلات داخل المؤسسات الإسبانية، تستمر عمليات الردم في تغيير ملامح المجال البحري المحاذي لجبل طارق، الأمر الذي دفع جمعيات بيئية إلى مواصلة الضغط والمطالبة بتوضيح المسؤوليات بشأن ما يجري في هذه المنطقة الحساسة.
ولا تقتصر المتابعة على الجانب القضائي والإداري، إذ يعمل المعهد الإسباني لعلوم المحيطات، في إطار مشروع BIODIV، على جمع معطيات حول وضعية الموائل البحرية ذات الأهمية الأوروبية في المنطقة، بناء على طلب من الحرس المدني. كما تتواصل برامج مراقبة الحيتانيات والثدييات البحرية ضمن الاستراتيجيات البحرية الإسبانية وبرامج الرصد الوطنية.
وتقول وزارة الانتقال البيئي إنها أجرت اتصالات حديثة مع النيابة المختصة بالبيئة والتعمير ومع المحكمة الإقليمية في قادس للاطلاع على آخر تطورات الملف، في وقت يواصل فيه مشروع Eastside تقدمه.
وبينما تنتظر مدريد قراراً قضائياً قد يحدد ما يمكنها فعله، لا يبدو أن البحر ينتظر بدوره؛ فالردم مستمر، والأشغال تتقدم، والحرس المدني ممنوع من الوصول إلى موقعها وفق المعطيات الإسبانية. وهنا تكمن المفارقة التي تختصر المشهد كله: منطقة بحرية محمية، وملف قضائي ينتظر، ومؤسسات إسبانية تتابع وتراسل وتطلب المعطيات، بينما الأشغال تواصل تقدمها وكأن الساعة القانونية تسير بإيقاع، وساعة الجرافات بإيقاع آخر. وفي انتظار أن تقول المحاكم كلمتها الأخيرة، يظل كل متر جديد من الردم يطرح سؤالاً أكبر حول حدود الاختصاص وقدرة مدريد على حماية المجال الذي تعتبره خاضعاً لاختصاصها، فيما تتشكل في البحر وقائع جديدة قبل أن يصل القرار القضائي إلى الشاطئ.
27/09/2026