kawalisrif@hotmail.com

المغرب يفتح طريقه إلى موريتانيا وسفير جزائري سابق يبحث عن شماعة إماراتية

المغرب يفتح طريقه إلى موريتانيا وسفير جزائري سابق يبحث عن شماعة إماراتية

يبدو أن تسارع الحراك المغربي في موريتانيا بدأ يفرض نفسه بقوة على النقاش الإقليمي، إلى درجة دفعت سفيرا جزائريا سابقا إلى البحث عن تفسير يتجاوز لغة الطرق والموانئ والتجارة والاستثمار، لينتهي به الأمر إلى اتهام الإمارات بالسعي إلى إبعاد نواكشوط عن الجزائر ودفعها نحو الدول العربية الموقعة على اتفاقيات أبراهام.

السفير الجزائري السابق عمار بلاني اختار أن يقرأ التطورات المتسارعة بين المغرب وموريتانيا من زاوية جيوسياسية واسعة، متحدثا في تدوينة حملت عنوان الدفع المغربي، والغموض الموريتاني، والتمويل الإماراتي، عن تحركات إماراتية ومغربية يرى أنها قد تؤدي إلى إعادة رسم موقع موريتانيا في المنطقة.

لكن المفارقة أن الوقائع التي يستند إليها هذا الطرح تبدو، في حد ذاتها، أكثر بساطة من الرواية التي بُنيت حولها. فالمغرب وموريتانيا يعملان على تطوير البنية التحتية والربط الطرقي والتبادل التجاري، بينما تتحرك الجزائر بدورها لإنجاز ممرها الخاص نحو موريتانيا وغرب إفريقيا.

في 21 سبتمبر 2026، وقعت الرباط ونواكشوط اتفاقية إطار لإعادة تأهيل وتوسعة الطريق الوطني رقم 4، في خطوة تستهدف تحسين حركة النقل وتعزيز الترابط الاقتصادي والتجاري بين البلدين.

والأهم أن المشروع لم يظهر في الظلام، ولم يحتج إلى خرائط سرية أو غرف خلفية. الاتفاق أعلن رسميا، ووقع بين مسؤولين من البلدين، وقدم باعتباره جزءا من التعاون المغربي الموريتاني في مجال البنية التحتية والنقل والتبادل الاقتصادي.

وهنا تبدأ المفارقة التي تجعل الرواية السياسية بحاجة إلى أكثر من مجرد عبارات كبيرة: إذا كان إنشاء طريق بين بلدين جارين، وربط شبكتيهما الطرقيتين، وتسهيل مرور الشاحنات والبضائع، يمكن أن يقدم باعتباره محاولة لسحب موريتانيا من محيطها، فكيف ينبغي وصف المشروع الجزائري الذي يشق الطريق نفسه نحو الأراضي الموريتانية؟

الجزائر أعلنت بدورها عن مشروع طريق تندوف–الزويرات، الممتد لنحو 840 كيلومترا، وتقدمه المؤسسات الجزائرية والموريتانية باعتباره مشروعا استراتيجيا لفتح آفاق جديدة للتعاون والتبادل وربط الجزائر بالأسواق الإفريقية.

وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحا: لماذا يكون الطريق الجزائري نحو موريتانيا مشروعا استراتيجيا يفتح الجزائر على إفريقيا، بينما يتحول الطريق المغربي نحو موريتانيا، في بعض القراءات، إلى دليل على مؤامرة إقليمية؟

المشكلة هنا ليست في وجود تنافس اقتصادي أو جيوسياسي بين مشاريع مختلفة؛ فهذا أمر طبيعي في منطقة تبحث فيها الدول عن توسيع طرق التجارة ومنافذها نحو الأسواق الإفريقية. المشكلة تبدأ عندما يصبح الطريق نفسه مشروعا استراتيجيا حين يأتي من جهة، ومؤامرة حين يأتي من الجهة الأخرى.

وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها: موريتانيا ليست قطعة على رقعة شطرنج إقليمية تنتظر أن يسحبها طرف من طرف آخر. إنها دولة ذات سيادة، وتملك مصالحها وحساباتها، ومن الطبيعي أن تعمل على تنويع علاقاتها وشراكاتها مع المغرب والجزائر ودول الخليج وأوروبا وغيرها.

أما الحديث عن التمويل الإماراتي، فيبقى، وفق المعطيات المنشورة، جزءا من قراءة عمار بلاني وتحليله السياسي، ولا يشكل في حد ذاته دليلا رسميا على وجود خطة إماراتية لدفع موريتانيا نحو التطبيع مع إسرائيل. كما أشارت مونت كارلو الدولية إلى أن هذه الاتهامات لا تحظى بتأكيد رسمي من الأطراف المعنية.

وهنا أيضا تظهر مفارقة أخرى: تحويل كل استثمار إماراتي في إفريقيا إلى قطعة في مشروع سياسي واحد يفترض وجود خريطة كاملة ومعلنة لهذا المشروع، بينما الوقائع المتاحة تتحدث أساسا عن استثمارات في البنية التحتية والموانئ والخدمات اللوجستية، وعن تعاون اقتصادي متعدد الأطراف.

أما المغرب، فلا يحتاج في علاقته مع موريتانيا إلى الكثير من العناوين الغامضة. فالطرق تتحدث، والشاحنات تتحدث، والموانئ تتحدث، وحجم المبادلات التجارية يتحدث. وعندما تتحول البنية التحتية إلى وسيلة لربط الأسواق والمصالح، يصبح من الصعب إقناع الجميع بأن كل طريق جديد يخفي وراءه مشروعا سياسيا سريا.

وفي المقابل، فإن الجزائر نفسها تقدم طريق تندوف–الزويرات باعتباره بوابة نحو الأسواق الإفريقية، وممرا لتعزيز حضورها الاقتصادي في المنطقة. وهذا أمر مفهوم في منطق التنافس الاقتصادي الإقليمي، لكنه يجعل من الصعب تفسير لماذا ينبغي النظر إلى الممر المغربي الموريتاني بمنظار مختلف تماما.

الأكثر إثارة في خطاب السفير الجزائري السابق ليس مجرد اتهام الإمارات، بل الطريقة التي يجري بها تفسير الحضور المغربي في موريتانيا وكأن أي توسع في التعاون بين الرباط ونواكشوط يجب بالضرورة أن يكون على حساب طرف ثالث.

لكن السياسة الواقعية لا تعمل دائما بهذه الطريقة. يمكن لموريتانيا أن تتعاون مع المغرب والجزائر والإمارات ودول أخرى في الوقت نفسه، ويمكن لها أن تستفيد من تنافس المشاريع بدل أن تتحول إلى طرف في صراع النفوذ بالوكالة.

وإذا كان هناك تنافس حقيقي على الممرات والأسواق والموانئ، فإن الحكم عليه لا يكون بالبيانات ولا بالتدوينات، بل بما ينتج على الأرض: طريق يُنجز، ميناء يتوسع، شاحنة تعبر، تجارة تتحرك، استثمار يصل، وفرص اقتصادية تتولد.

وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحا. المغرب يتحرك في موريتانيا عبر مشاريع معلنة، والجزائر تتحرك بدورها عبر مشاريع معلنة. وكلا الطرفين يقدم مشاريعه باعتبارها جسورا نحو الأسواق الإفريقية. أما موريتانيا، فتظل صاحبة القرار في اختيار الشراكات التي تراها منسجمة مع مصالحها.

وبذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست حول من يستطيع أن يرفع صوته أكثر، ولا حول من ينسج الرواية الأكثر إثارة، وإنما حول من يستطيع أن يقدم لموريتانيا أكبر قدر من البنية التحتية والتجارة والاستثمار والربط الاقتصادي.

وربما هنا تكمن المفارقة التي يصعب تجاهلها: بينما تنشغل بعض الخطابات بتفكيك التمويل الإماراتي والدفع المغربي والغموض الموريتاني، تواصل المشاريع المعلنة شق طريقها على الأرض. الخرائط تتحول إلى طرق، والطرق إلى ممرات تجارية، والممرات إلى مصالح، والمصالح إلى شراكات.

والمغرب، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى سحب موريتانيا من أحد، لأن نواكشوط ليست ملكا لأحد أصلا. كل ما يفعله هو فتح مزيد من الطرق نحو الجنوب، فيما تفتح موريتانيا أبوابها لمن ترى في التعاون معه خدمة لمصالحها.

أما إذا كان مجرد طريق جديد قادرا على إثارة كل هذا القلق، فربما تكون المشكلة ليست في الطريق نفسه، بل في السؤال الذي تفرضه كل طريق جديدة: من سيصل أولا إلى السوق، ومن سيقدم لموريتانيا شراكة أكثر فائدة، ومن سيكتفي بمراقبة حركة الشاحنات من بعيد وإطلاق التفسيرات السياسية عليها؟

فالطرق لا تدخل في سجالات، ولا تكتب تدوينات، ولا تبحث عن شماعات. إنها ببساطة تُنجز أو لا تُنجز. وفي عالم الممرات التجارية، قد يكون أكثر ما يربك الخطابات السياسية هو أن الإسفلت لا يجامل أحدا.

27/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts