دخلت دول الخليج مرحلة جديدة من إعادة تقييم علاقتها الأمنية والعسكرية بالولايات المتحدة، بعدما كشفت الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران عن حدود الضمانات التي لطالما اعتمدت عليها العواصم الخليجية لحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية بقلم روث مايكلصن، فإن قادة ومسؤولي دول الخليج الذين التقوا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نيويورك الأسبوع الماضي كانوا ينتظرون تطمينات واضحة بشأن التزام واشنطن بأمن المنطقة، غير أن اللقاء جاء في سياق مختلف، بعدما كان ترامب يتحدث علنًا عن خيارات عسكرية قاسية تجاه إيران، بما في ذلك احتمال «إبادة» إيران، وفق ما أوردته الصحيفة.
وأعاد هذا الخطاب إلى الواجهة هاجسًا أساسيًا لدى دول الخليج، يتمثل في احتمال تعرض أراضيها ومنشآتها لهجمات إيرانية ردًا على أي تصعيد أمريكي جديد، خصوصًا أن المنطقة سبق أن شهدت هجمات استهدفت منشآت وقواعد مرتبطة بالوجود الأمريكي.
وتقول «أوبزيرفر» إن ترامب حاول لاحقًا التأكيد أمام المسؤولين الخليجيين على استمرار التزام الولايات المتحدة بحماية حلفائها، غير أن الحرب الأخيرة، التي اندلعت أواخر فبراير وفق الرواية التي أوردها التقرير، أظهرت أن منظومة الردع الأمريكية في الخليج لم تعد تعمل بالطريقة التي اعتادت عليها دول المنطقة خلال العقود الماضية.
وتشير الصحيفة إلى أن سنوات طويلة من صفقات السلاح الأمريكية الضخمة وإنشاء القواعد العسكرية لم تمنع تعرض مواقع أمريكية في المنطقة لضربات إيرانية. ومن أبرز الأمثلة التي أوردها التقرير قاعدة بحرية رئيسية في البحرين تعرضت لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة والصواريخ، ما أثر بشكل كبير على قدرتها على استيعاب القوات الأمريكية.
ولا تتوقف المخاوف عند حدود الأضرار التي لحقت بالقواعد الحالية، إذ تدرس واشنطن، بحسب التقرير، مستقبل انتشار قواتها في الخليج ضمن عملية أوسع لإعادة تموضع القوات الأمريكية حول العالم، وهو ما يزيد حالة عدم اليقين لدى حلفائها في المنطقة.
وفي المقابل، أظهرت إيران، وفق «أوبزيرفر»، قدرة على مواصلة الرد العسكري رغم إعلان إدارة ترامب في مراحل مختلفة أنها نجحت في إضعاف خصمها أو هزيمته، الأمر الذي دفع بعض العواصم الخليجية إلى إعادة حساب حجم اعتمادها على القوة الأمريكية وحدها.
وتواجه دول الخليج في الوقت نفسه ضغوطًا اقتصادية متزايدة، خصوصًا مع تداعيات إغلاق مضيق هرمز لأشهر، وهو الممر الحيوي لتجارة الطاقة العالمية. وترى الصحيفة أن النموذج الاقتصادي الخليجي كان مرتبطًا بصورة وثيقة بمستوى الأمن الذي وفرته الولايات المتحدة، لكن تغير المعادلة العسكرية بدأ يدفع هذه الدول إلى التفكير في خيارات دفاعية وشراكات دولية إضافية.
ومن بين البدائل التي يجري النظر فيها، بحسب التقرير، توسيع العلاقات مع قوى مثل الصين وروسيا، إلى جانب بناء ترتيبات أمنية جديدة لا تعتمد بالكامل على واشنطن.
وتطرح تجربة قطر مثالًا آخر على هذه المعضلة. فالدوحة قدمت للرئيس الأمريكي طائرة رئاسية فاخرة تقدر قيمتها بنحو 400 مليون دولار، كما تعهدت باستثمارات ضخمة في الولايات المتحدة تجاوزت قيمتها، وفق ما أوردته الصحيفة، تريليون دولار. وبعد الغارة الإسرائيلية التي استهدفت الدوحة في سبتمبر الماضي في محاولة لاغتيال مفاوضين من حركة حماس، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا ينص على اعتبار أي هجوم على الأراضي القطرية هجومًا على الولايات المتحدة.
غير أن التطورات العسكرية اللاحقة أعادت طرح الأسئلة بشأن فعالية هذه الضمانات، خصوصًا بعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، عندما تعرضت منشأة قطرية ضخمة للغاز الطبيعي المسال لهجوم إيراني.
أما السعودية، فتواجه بدورها اختبارًا مختلفًا. فبحسب «أوبزيرفر»، فإن العلاقات الوثيقة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وإدارة ترامب لم تتحول بالضرورة إلى التزام عسكري أمريكي مباشر في كل الملفات التي تطلب فيها الرياض الدعم.
وتشير الصحيفة إلى أن بن سلمان طلب دعم واشنطن في مواجهة الحوثيين في اليمن، إلا أن ترامب لم يندفع نحو التدخل العسكري، بينما تحدثت تقارير عن اتصالات أمريكية مع ممثلين عن الحوثيين في سلطنة عُمان، انتهت، وفق ما أورده التقرير، إلى تفاهمات بشأن طبيعة الأهداف التي يمكن أن تستهدفها الجماعة في المنطقة.
وفي موازاة استمرار العلاقة مع واشنطن، بدأت الرياض في توسيع شبكة ترتيباتها الدفاعية، إذ أبرمت اتفاقيات مع باكستان وتركيا، في خطوة تعكس سعيًا إلى تنويع مصادر الدعم الأمني، بالتزامن مع استمرار التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، بما في ذلك موافقة واشنطن، وفق التقرير، على صفقة مقاتلات «إف-35» للسعودية بقيمة تصل إلى 24 مليار دولار.
وتخلص «أوبزيرفر» إلى أن التحولات العسكرية الأخيرة دفعت دول الخليج إلى التعامل مع واقع أمني أكثر تعقيدًا، في ظل تنامي القدرة الإيرانية على الرد، وفي المقابل إعادة الولايات المتحدة النظر في طبيعة وجودها العسكري بالمنطقة.
ويبدو أن الخلاف لم يعد فقط حول حجم الدعم الأمريكي، بل امتد إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية التعامل مع إيران نفسها. ففي الوقت الذي تتحدث فيه العواصم الخليجية عن ضرورة توحيد الموقف، برزت خلافات بشأن جدوى التفاوض المباشر مع طهران، خاصة حول إعادة فتح مضيق هرمز.
وبحسب الصحيفة، أدى استمرار هذه الخلافات إلى تأجيل اجتماع كان مقررًا بين مسؤولين من مجلس التعاون الخليجي وإيران لبحث ملف المضيق، ما يعكس عودة التباينات القديمة داخل الخليج بشأن الطريقة الأنسب لإدارة العلاقة مع طهران.
وبذلك، لم تعد دول الخليج أمام معادلة بسيطة تقوم على الاعتماد على الحماية الأمريكية، بل أمام مشهد أمني متغير يدفعها إلى توزيع رهاناتها بين واشنطن وشركاء آخرين، مع إبقاء قنوات التواصل مع إيران مفتوحة، في محاولة للتعامل مع واقع إقليمي أصبحت فيه الضمانات التقليدية أقل وضوحًا مما كانت عليه في السابق.
27/09/2026