في محاولة جديدة لقراءة العلاقات المغربية الأوروبية من زاوية إسبانية ضيقة، اختار موقع إسباني تقديم رواية مفادها أن المغرب يدفع ثمن سياسته في مجال الهجرة، وأن بروكسل تستعد لمعاقبة الرباط مالياً، وكأن المملكة أصبحت فجأة الطرف الأضعف في معادلة إقليمية وأوروبية شديدة التعقيد. غير أن قراءة هادئة للوقائع تكشف أن المقال أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى تحليل متوازن، خصوصاً عندما يحاول تحويل أزمة سبتة المحتلة إلى معركة أوروبية ضد المغرب.
فالبرلمان الأوروبي تبنى فعلاً في 17 سبتمبر قراراً بشأن أحداث سبتة، وصوت لصالحه 339 نائباً مقابل 225 و16 نائباً امتنعوا عن التصويت، كما دعا إلى تعزيز حماية الحدود الأوروبية والتعاون مع المغرب وإعادة الأشخاص الذين لا يحق لهم البقاء. لكن القرار نفسه غير ملزم، ولا يعني بأي حال إعلان مواجهة شاملة مع الرباط أو انهيار الشراكة المغربية الأوروبية كما يوحي المقال الإسباني.
والأهم من ذلك أن المؤسسات الأوروبية نفسها لا تتحدث بلغة القطيعة التي يحاول المقال تسويقها. ففي يناير 2026، انعقد مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في بروكسل، وأكد الطرفان عزمهما المشترك على إعادة إطلاق الشراكة وتعميقها، بما يشمل التجارة والهجرة والأمن والتنمية. وبالتالي، فإن تصوير العلاقة وكأن بروكسل تستعد لفتح خزانة العقوبات ضد الرباط يتجاهل ببساطة طبيعة المصالح المتبادلة التي تحكم هذه الشراكة.
المفارقة الأكبر أن المقال يتعامل مع المغرب وكأنه مجرد حارس حدود مأجور، مهمته إغلاق الأبواب أمام المهاجرين مقابل الأموال الأوروبية. وهذه النظرة تختزل المملكة في وظيفة أمنية وتتجاهل موقعها الجغرافي والاقتصادي والسياسي، كما تتجاهل أن ملف الهجرة نفسه أصبح قضية أوروبية بامتياز، لا قضية مغربية فقط.
فإذا كانت أوروبا تعتبر الحدود الجنوبية مسألة أمن استراتيجي، فمن الطبيعي أن يكون المغرب طرفاً أساسياً في أي مقاربة أوروبية للهجرة. وإذا كانت مدريد تعتمد على التعاون المغربي للحد من التدفقات، فإن ذلك لا يمنحها تلقائياً حق تقديم هذا التعاون باعتباره خدمة مجانية أو ورقة يمكن استخدامها للضغط على الرباط كلما احتاجت إلى خطاب سياسي للاستهلاك الداخلي.
والأكثر إثارة في المقال هو تحويل أحداث سبتة إلى دليل قاطع على ما يسميه الكاتب “الجغرافيا السياسية للصنبور”، مع افتراض مسبق بأن الرباط تتعمد فتح الحدود وإغلاقها لاستنزاف أوروبا سياسياً. لكن هذا استنتاج سياسي لا تثبته الوقائع الواردة في المقال نفسه. وحتى داخل المؤسسات الأوروبية، كان النقاش حول أحداث 30 و31 يوليوز أكثر تعقيداً، إذ شهد البرلمان الأوروبي انقساماً واضحاً حول كيفية توصيف الأحداث وتحديد المسؤوليات وما ينبغي أن تكون عليه تداعياتها.
بل إن بعض المعطيات الأوروبية الرسمية تضع الأزمة في إطار أوسع من الرواية التي يقدمها المقال. فالبرلمان الأوروبي تحدث عن الحاجة إلى حماية الحدود، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى التعاون مع المغرب، فيما كانت مؤسسات الاتحاد تؤكد استمرار التعاون مع الرباط في مجال الهجرة والأمن. هذه ليست صورة دولة أوروبية موحدة قررت خنق المغرب، وإنما صورة علاقة متشابكة تحكمها المصالح والضغوط والخلافات في آن واحد.
أما محاولة تصوير المغرب باعتباره الطرف الذي يبتز أوروبا بورقة الهجرة، فتتجاهل سؤالاً أكثر إزعاجاً لمدريد: لماذا أصبحت إسبانيا نفسها شديدة الحساسية تجاه أي اضطراب على الحدود الوهمية لسبتة ومليلية المحتلتين؟ ولماذا تتحول كل أزمة مرتبطة بالمدينتين إلى قضية أوروبية وإسبانية من الدرجة الأولى؟
الجواب واضح في الوقائع نفسها. فقد أصبحت سبتة محوراً لنقاش أوروبي واسع حول الحدود والهجرة والأمن، حتى إن رئيس الحكومة المحلية في المدينة توجه إلى بروكسل مطالباً بموقف أوروبي أكثر صرامة تجاه الرباط، بينما بقيت الحكومة الإسبانية نفسها متمسكة بأهمية التعاون مع المغرب في ملف الهجرة.
وهنا يظهر التناقض الإسباني: مدريد تحتاج إلى المغرب في مكافحة الهجرة، وفي التجارة، وفي الأمن، وفي الاستقرار المتوسطي، لكنها تجد نفسها في الوقت نفسه تحت ضغط داخلي متزايد كلما ظهرت أزمة في سبتة. لذلك يصبح من السهل سياسياً تحويل المغرب إلى شماعة لكل أزمة، بدلاً من الاعتراف بأن قضية المدينتين المحتلتين تحمل في داخلها تعقيدات تاريخية وجيوسياسية لا يمكن اختزالها في قوارب المهاجرين.
أما الحديث عن “سحب الأموال” و”إغلاق الصنبور المالي”، فيحتاج بدوره إلى كثير من التدقيق. فالشراكة الأوروبية المغربية ليست منحة أحادية الاتجاه، بل شبكة واسعة من العلاقات التجارية والاقتصادية والأمنية. والمغرب ليس اقتصاداً معزولاً ينتظر تحويلات بروكسل حتى يبقى واقفاً، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى منصة صناعية ولوجستية واستثمارية ذات ارتباط قوي بالأسواق الأوروبية والإفريقية والدولية.
والأغرب أن المقال نفسه يعترف بأن المغرب شريك تجاري أساسي لإسبانيا، وأن آلاف الشركات الإسبانية مرتبطة باستقرار العلاقات مع المملكة. فكيف يمكن في الوقت نفسه تقديم المغرب باعتباره الطرف الذي لا يملك إلا ورقة الهجرة؟ أليست هذه مفارقة صارخة؟
ثم إن اختزال العلاقة في الأموال الأوروبية يوحي بأن الرباط تعيش على المساعدات، بينما الواقع أكثر تعقيداً بكثير. المغرب يتعامل مع الاتحاد الأوروبي كشريك، لكنه في الوقت نفسه وسع دوائر علاقاته الاقتصادية والاستراتيجية نحو إفريقيا والولايات المتحدة ودول الخليج وآسيا، بما يقلص تدريجياً قدرة أي طرف منفرد على احتكار خياراته الخارجية.
والأكثر دلالة أن المقال ينتهي إلى فكرة مفادها أن المغرب يخسر نفوذه كلما صعد اليمين الأوروبي. وهذه أيضاً قراءة تحتاج إلى الحذر، لأن صعود اليمين في أوروبا لا يعني تلقائياً توحد المواقف الأوروبية ضد الرباط. فالبرلمان الأوروبي نفسه شهد انقساماً واضحاً حول قرار سبتة، كما أن العلاقة مع المغرب لا تتحدد فقط بالاصطفافات الإيديولوجية، بل بمصالح الدول الأعضاء وحساباتها الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية.
لهذا يبدو أن المشكلة الحقيقية ليست أن المغرب “يصطدم باليمين الأوروبي”، وإنما أن بعض الأصوات الإسبانية لا تزال تحاول قراءة المغرب بمنطق قديم: المغرب يجب أن يكون تابعاً في الأمن، ومطيعاً في الهجرة، وصامتاً في القضايا السيادية، وممتناً في التجارة.
وهذه المعادلة لم تعد موجودة.
المغرب اليوم يتفاوض من موقع مختلف، ويملك أوراقاً متعددة، ولا يحتاج إلى تحويل كل خلاف مع أوروبا إلى أزمة وجودية. وفي المقابل، فإن أوروبا نفسها تعرف أن استقرار جنوب المتوسط لا يمكن بناؤه ضد المغرب، وأن أي سياسة أوروبية تجاه المنطقة تتطلب شريكاً مغربياً قادراً على التعاون والتفاوض والدفاع عن مصالحه.
أما سبتة ومليلية، فإن محاولة إغلاق النقاش حولهما بجملة قانونية صادرة عن مؤسسة أوروبية لن تلغي حقيقة أن المغرب يحمل موقفاً سيادياً معروفاً بشأن الثغرين المحتلين. فالقرار الأوروبي يمكن أن يعبر عن موقف سياسي أوروبي، لكنه لا يستطيع أن يمحو النقاش التاريخي والسياسي حول مستقبل المدينتين.
وبذلك، فإن المقال الإسباني يبدو أقل انشغالاً بفهم المغرب وأكثر انشغالاً بإعادة إنتاج خطاب يطمئن القارئ الإسباني بأن الرباط ستدفع ثمن استقلالية قرارها. لكن الواقع أكثر تعقيداً: المغرب والاتحاد الأوروبي يحتاج كل منهما إلى الآخر، والرهان الحقيقي ليس من يملك “صنبور المال” أو “صنبور الهجرة”، وإنما من يستطيع بناء شراكة متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، بعيداً عن منطق الوصاية والابتزاز الإعلامي.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن من يكتب عن المغرب بعقلية الأمس لم ينتبه إلى أن قواعد اللعبة تغيرت. الرباط لم تعد تقف على الضفة الجنوبية تنتظر ما تقرره العواصم الأوروبية، بل أصبحت شريكاً لا يمكن تجاوز موقعه في الأمن والهجرة والتجارة والاقتصاد. أما محاولة اختزال المغرب في ورقة الهجرة، أو تصويره كدولة تعيش على فتات الدعم الأوروبي، فلا تغير شيئاً من حقيقة أن المصالح متبادلة وأن زمن الإملاءات الأحادية يقترب من نهايته.
والأشد إيلاماً لبعض الأصوات الإسبانية أن المغرب لا يبدو في عجلة من أمره لإثبات شيء لأحد. فهو يتحرك بهدوء، يوسع شراكاته، يعزز حضوره الإفريقي والدولي، ويدافع عن مصالحه السيادية دون أن يستأذن أحداً. ولذلك، فإن السؤال لم يعد: هل يستطيع المغرب الصمود أمام ضغط بروكسل؟ بل أصبح: إلى أي حد تستطيع أوروبا أن تدير مصالحها في غرب المتوسط من دون المغرب؟
وفي هذه المعادلة، قد تكتشف مدريد قبل غيرها أن محاولة تحويل المغرب إلى خصم دائم ليست سياسة قوة، وأن رفع سقف التهديدات لا يصنع واقعاً جديداً. فالمغرب لم يعد مجرد حارس لحدود أوروبا الجنوبية، بل أصبح لاعباً إقليمياً يفاوض من موقع مصالحه، ومن يصر على التعامل معه بمنطق الوصاية سيجد نفسه، عاجلاً أم آجلاً، أمام حقيقة لا يمكن دفنها تحت عناوين صحفية صاخبة: المغرب لا يبحث عن مقعد في الطاولة الأوروبية… بل أصبح جزءاً من الطاولة التي لا يمكن ترتيبها من دونه.
27/09/2026