في تطور أمني يفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة حول استغلال الصفة الدبلوماسية في تهريب المخدرات، أوقفت السلطات الإسبانية في 8 شتنبر الجاري دبلوماسيين فنزويليين للاشتباه في تورطهما في قضية تهريب مخدرات، بعدما تحولت حقيبة وصلت إلى مطار باراخاس في مدريد إلى نقطة تفجير لقضية قد تتجاوز حدود الشخصين الموقوفين.
ويتعلق الأمر بخوسيه مانويل إسكوريهويلا، الذي شغل منصب المستشار الوزاري ونائب رئيس البعثة الدبلوماسية الفنزويلية في مدريد، وكان يشغل عمليا موقع الرجل الثاني في السفارة بين منتصف 2023 وبداية 2025، إلى جانب كيلفين خيسوس ماتوس، الذي سبق أن عمل بدوره في السفارة الفنزويلية بالعاصمة الإسبانية، ويرتبط بعلاقة عائلية سابقة بنجل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وبحسب المعطيات المتداولة في القضية، فإن إسكوريهويلا وصل إلى مطار باراخاس قادما من جمهورية الدومينيكان، حاملا جواز سفر دبلوماسيا، قبل أن يحاول تفادي إجراءات التفتيش مستندا إلى صفته الرسمية، غير أن السلطات الإسبانية عثرت داخل حقيبته على نحو 50 كيلوغراما من الكوكايين.
المعطى الأكثر إثارة في الملف لا يرتبط فقط بكمية المخدرات، وإنما أيضا بالمسار الذي سلكته الرحلة والصفة التي كان يحملها الشخص الموقوف. فالرجل لم يكن شخصا مجهولا في الدوائر الدبلوماسية الفنزويلية، بل سبق أن كان من المقربين من كوروموتو غودوي، سفيرة فنزويلا السابقة لدى إسبانيا والممثلة الدائمة لاحقا لدى الأمم المتحدة.
وكان إسكوريهويلا قد رافق غودوي خلال مهامها الدبلوماسية في الهند وإسبانيا، كما ظهر إلى جانبها في ماي 2023 داخل القصر الملكي الإسباني خلال تقديم أوراق اعتمادها للملك فيليبي السادس. وبعد عودة غودوي إلى كاراكاس، تولت في يناير 2025 منصب وزيرة التجارة الخارجية، ليتولى إسكوريهوي بدوره منصبا مديرا عاما في الوزارة نفسها.
وفي مارس 2026، عينت غودوي ممثلة دائمة لفنزويلا لدى الأمم المتحدة، فيما لا توجد معطيات تشير إلى أن إسكوريهويلا انتقل معها إلى نيويورك. غير أن توقيفه لاحقا في إسبانيا أعاد تسليط الضوء على تحركاته وعلاقاته ومسارات سفره خلال الفترة الأخيرة.
وتشير مصادر نقلت عنها وسائل إعلام فنزويلية إلى أن إسكوريهويلا قام خلال الأشهر الأخيرة بخمس رحلات اتبعت، وفق هذه الرواية، الأسلوب نفسه تقريبا، إذ كان ينتقل على متن طائرات خاصة من فنزويلا إلى جمهورية الدومينيكان، قبل أن يواصل الرحلة على متن طائرات تجارية باتجاه مدريد.
وتقول هذه المصادر إن تكرار المسار نفسه أثار انتباه السلطات في منطقة الكاريبي، التي أبلغت الحرس المدني الإسباني بهذه التحركات، لتبدأ بعدها التحقيقات التي انتهت بتوقيف الدبلوماسي الفنزويلي والعثور على الكمية الكبيرة من الكوكايين داخل حقيبته.
أما كيلفين خيسوس ماتوس، فقد كان هو الآخر موظفا في السفارة الفنزويلية بمدريد، فيما تنظر السلطات الإسبانية في طبيعة العلاقة التي جمعته بإسكوريهويلا، وما إذا كان توقيف الشخصين يكشف عن شبكة أوسع لنقل المخدرات إلى إسبانيا، خصوصا مع وجود شبهات بشأن استخدام جوازات السفر الدبلوماسية لتسهيل عمليات النقل.
ويحاول الحرس المدني الإسباني حاليا تحديد مدى اتساع الشبكة المحتملة، وما إذا كان هناك أشخاص آخرون متورطون في إدخال المخدرات إلى الأراضي الإسبانية، أو في توفير التسهيلات اللوجستية والدبلوماسية اللازمة لذلك.
وتزداد حساسية القضية بسبب الاتهامات الأمريكية السابقة التي طالت شخصيات مرتبطة بالسلطات الفنزويلية، وبينها نجل نيكولاس مادورو، حيث وجهت إليه السلطات الأمريكية اتهامات تتعلق، وفق ما أوردته المصادر، بعلاقات مع شبكات مرتبطة بتجارة المخدرات وجماعات مسلحة في المنطقة. كما تحدثت اتهامات أمريكية عن استخدام طائرات تابعة لشركة النفط الفنزويلية PDVSA في نقل شحنات مخدرات إلى الخارج، وهي معطيات تبقى في إطار الاتهامات والتحقيقات، ولا تعني ثبوت المسؤولية الجنائية بحكم نهائي.
وبينما تتواصل التحقيقات خلف أبواب مغلقة، يبقى السؤال الأكثر إثارة معلقا في انتظار الأجوبة: كيف وصلت 50 كيلوغراما من الكوكايين إلى مطار باراخاس داخل حقيبة دبلوماسي سابق، ومن يقف خلف المسار الذي جمع بين فنزويلا وسانتو دومينغو ومدريد؟ فالقضية لم تعد مجرد توقيف عابر، بل خيطا أمنيا حساسا قد يقود، إذا كشفت التحقيقات عن امتدادات جديدة، إلى شبكة أكبر مما ظهر حتى الآن… وحينها قد لا تكون الحقيبة سوى أول قطعة في أحجية مخدرات بدأت ملامحها بالظهور داخل أروقة الدبلوماسية.
27/09/2026