خطا الاتحاد الأوروبي خطوة جديدة نحو بناء منظومة دفاعية مشتركة، بعدما وافق مجلس الاتحاد الأوروبي على أول خمسة مشاريع أوروبية للدفاع ذات اهتمام مشترك، في قرار يعكس تصاعد الرهان الأوروبي على توحيد القدرات العسكرية وتطوير الصناعات الدفاعية، في وقت يترقب فيه المغرب مآلات هذه الدينامية وما قد تفتحه من فرص جديدة أمام التعاون الدفاعي والصناعي مع شركائه الأوروبيين.
وجاءت المصادقة بعد اختيار خمسة مشاريع من أصل تسعة مقترحات تقدمت بها الدول الأوروبية عقب الدعوة التي أطلقت في فبراير الماضي. وتشمل المشاريع مجالات استراتيجية تمتد من الطائرات المسيرة وأنظمة مكافحتها، إلى الدفاع البحري وتحت سطح البحر، والإنذار المبكر عبر الأقمار الصناعية، والاتصالات والاستخبارات، وصولا إلى الدفاع الجوي والصاروخي ومراقبة الحدود الشرقية الأوروبية.
ويحمل المشروع الأول اسم DECODER، ويركز على إنتاج ونشر الطائرات المسيرة وأنظمة التصدي لها، بينما يختص مشروع IMSD بالدفاع البحري وتحت سطح البحر بشكل متكامل. أما مشروع SPACE فيجمع بين الإنذار المبكر عبر الأقمار الصناعية والاتصالات والاستخبارات والقدرة على إعادة تزويد المنظومة الفضائية بالأقمار الصناعية بسرعة.
كما يشمل المخطط الأوروبي مشروع EU-FIAMD الخاص بالدفاع الجوي والصاروخي ضمن منظومة قيادة منسقة، إلى جانب Eastern Flank Watch المخصص لمراقبة الحدود الشرقية الأوروبية في مختلف المجالات.
وتحظى إسبانيا بحضور في أربعة من أصل خمسة مشاريع، إذ تشارك في EU-FIAMD وIMSD إلى جانب مشاريع أخرى، بينما تغيب عن Eastern Flank Watch، وهو المشروع الذي تقدر كلفته بما بين 60 و100 مليار يورو حتى عام 2036.
وتتراوح الكلفة المتوقعة لمشروع EU-FIAMD بين 55 و80 مليار يورو حتى عام 2040، في حين تقدر كلفة المشروع البحري IMSD بما بين 43 و72 مليار يورو حتى عام 2045، ما يعكس حجم الرهانات المالية والصناعية التي تضعها أوروبا أمام قطاعها الدفاعي خلال السنوات المقبلة.
وعلى المستوى الإجمالي، تصل الطموحات الاستثمارية المرتبطة بهذه الدينامية إلى نحو 190 مليار يورو حتى عام 2036، وفق المعطيات التي أوردها المصدر الإسباني، بينما لا تتجاوز التمويلات الأوروبية المتاحة بشكل مباشر حاليا 325 مليون يورو ضمن برنامج الصناعات الدفاعية الأوروبية EDIP، من أصل برنامج تبلغ ميزانيته 1.5 مليار يورو.
ولا يعني اختيار مشروع ضمن قائمة مشاريع الدفاع ذات الاهتمام المشترك حصوله تلقائيا على التمويل، بل يمثل خطوة أولى نحو الاستفادة من التمويلات الأوروبية الحالية والمستقبلية، فيما سيظل الجزء الأكبر من الاستثمارات مرتبطا بميزانيات الدول وبمساهمات الشركات والصناعات الدفاعية.
وتكتسب هذه الخطوة الأوروبية أهمية بالنسبة إلى المغرب بالنظر إلى أن المجالات التي تحظى بالأولوية داخل المشاريع الجديدة تتقاطع مع قطاعات تشهد اهتماما متزايدا في التعاون الدفاعي والصناعي بين الرباط وعدد من شركائها الدوليين، وفي مقدمتهم شركاؤها الأوروبيون.
فالطائرات المسيرة، ومكافحة المسيرات، والأمن البحري، والفضاء، والاتصالات العسكرية والدفاع الجوي، أصبحت من أبرز مجالات التطور التكنولوجي العسكري، ما يجعل أي إعادة ترتيب للاستثمارات الأوروبية في هذه القطاعات عاملا يستحق المتابعة من جانب الرباط، خصوصا في ظل تطور الصناعات الدفاعية المغربية خلال السنوات الأخيرة.
وتزداد أهمية التطور بالنسبة إلى المغرب بالنظر إلى الحضور الإسباني القوي داخل أربعة مشاريع أوروبية، وهو ما يجعل مسار تنفيذ هذه البرامج وتمويلها وتوزيع العقود الصناعية المرتبطة بها من الملفات التي ستظل محل اهتمام لدى الأوساط المغربية المعنية بالتعاون الدفاعي والصناعي.
كما أن مشاركة أوكرانيا في أربعة من المشاريع الخمسة، والنرويج في المشاريع الخمسة جميعها، تكشف عن توجه نحو بناء شبكة دفاعية وصناعية تتجاوز حدود الاتحاد الأوروبي، وتقوم على توسيع الشراكات في مجالات التكنولوجيا والتصنيع وتبادل القدرات.
غير أن الاختبار الحقيقي للمشاريع الجديدة لن يكون في لحظة الإعلان عنها، وإنما في قدرتها على الانتقال من القرارات الأوروبية إلى طلبيات مشتركة وخطوط إنتاج وأنظمة عسكرية تدخل الخدمة فعليا خلال السنوات المقبلة.
وبالنسبة إلى الرباط، فإن المرحلة المقبلة تفرض متابعة دقيقة لما ستسفر عنه هذه المشاريع من استثمارات وعقود وشراكات صناعية، وما إذا كان التحول الأوروبي نحو تعزيز التصنيع الدفاعي المشترك سيخلق مجالات جديدة للتعاون مع المغرب، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالطائرات المسيرة، والأمن البحري، والفضاء، والاتصالات والدفاع الجوي.
وبذلك، لا تبدو الخطوة الأوروبية مجرد إعلان عن خمسة مشاريع دفاعية جديدة، بل جزءا من مسار أوسع لإعادة تشكيل الصناعة الدفاعية الأوروبية. وبينما تبدأ بروكسل في البحث عن التمويل وتحويل المشاريع إلى برامج عملية، تظل الرباط أمام خريطة دفاعية وصناعية أوروبية جديدة تستحق الرصد، خصوصا في ظل تنامي الروابط الأمنية والصناعية بين المغرب وعدد من العواصم الأوروبية.
28/09/2026