أعلنت شركة بالستيك ديفنس سيستم، بي دي إس، المغربية عن تحقيق تطور جديد في مجال الطائرات المسيرة، بعدما كشفت عن نجاح اختبار مسيرة انتحارية متسكعة يصل مداها إلى 2000 كيلومتر، مع اعتماد تقنيات متطورة للتوجيه والتعرف الذكي على الأهداف. وقالت الشركة إن التجربة شملت استهداف مجسم محاكي لقاذف منظومة الدفاع الجوي الصينية HQ-9، بهدف اختبار قدرة المسيّرة على التعرف على الهدف وتوجيه نفسها نحوه بدقة.
ويكتسب هذا الاختبار أهمية خاصة بالنظر إلى المدى الذي أعلنته الشركة للمسيّرة، والذي يصل إلى 2000 كيلومتر، وهو نطاق يضع المنظومة ضمن فئة المسيرات بعيدة المدى، ويمثل تطورا مقارنة بالمشاريع التي سبق الإعلان عنها في هذا المجال، والتي شملت نماذج بمديات أقل، من بينها 50 كيلومترا و1500 كيلومتر.
وبحسب المعطيات المنشورة، أظهر الفيديو التوضيحي الذي رافق الإعلان المسيّرة وهي تتعامل مع مجسم محاكي لهدف عسكري، في اختبار يركز على منظومة التعرف على الأهداف والتوجيه الذاتي. ويهدف هذا النوع من الاختبارات إلى التحقق من قدرة المنصة على تحديد الهدف المقصود والاقتراب منه وفقا للمعطيات التي توفرها أنظمة الملاحة والاستشعار والتوجيه.
ولا تكمن أهمية المشروع في المدى وحده، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن بي دي إس تعمل على تطوير عائلة من المسيرات ذات الاستخدامات المختلفة، تشمل المسيرات الانتحارية المتسكعة، إلى جانب منصات مخصصة للاستطلاع والمراقبة والاستخبارات. كما يرتبط المشروع بتطوير تقنيات التحكم والتوجيه والذكاء الاصطناعي، وهي عناصر أصبحت أساسية في الجيل الجديد من الأنظمة الجوية غير المأهولة.
ويمثل الانتقال من مدى 1500 كيلومتر إلى 2000 كيلومتر تطورا لافتا في مسار المشروع، خصوصا أن زيادة المدى تفرض تحديات تقنية مرتبطة بإدارة الطاقة والملاحة والاتصالات والاستقرار الجوي، إضافة إلى قدرة المنظومة على تنفيذ المهام لمسافات طويلة. كما أن المدى المعلن لا يمثل وحده معيارا للحكم على فعالية أي مسيرة، إذ تدخل في ذلك دقة الملاحة، وقدرات الاستشعار والتعرف على الأهداف، ومقاومة التشويش، ونظم الاتصال والتوجيه.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية من زاوية التصنيع الدفاعي المحلي، إذ إن تطوير الطائرات المسيرة لا يرتبط فقط بتجميع الهياكل والمحركات، وإنما يشمل أيضا البرمجيات والإلكترونيات وأنظمة التحكم والملاحة والاتصالات، وهي مجالات تسمح بتراكم الخبرة الهندسية وبناء قاعدة صناعية قادرة على تطوير أجيال جديدة من المنظومات.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه العالم سباقا متسارعا لتطوير مسيرات أكثر استقلالية وأبعد مدى وأقل كلفة، بعدما أصبحت الأنظمة غير المأهولة جزءا أساسيا من منظومات الاستطلاع والمراقبة وتنفيذ الضربات الدقيقة. وفي هذا السياق، يكتسب إدخال تقنيات التعرف الذكي على الأهداف أهمية خاصة، لأنها تنقل المسيرة من مجرد منصة طيران بعيدة المدى إلى منظومة تجمع بين الحركة والاستشعار والتوجيه في منصة واحدة.
وكانت بي دي إس قد كشفت في مراحل سابقة عن مشاريع لمسيرات ذات مديات مختلفة، قبل الإعلان عن النموذج الجديد بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر، بما يعكس مسارا تصاعديا في تطوير قدرات المنظومة. وإذا تأكدت هذه القدرات خلال اختبارات تشغيلية موسعة ومستقلة، فإنها ستشكل تطورا مهما في مسار الصناعة الدفاعية المغربية وفي قدرتها على تطوير منصات جوية غير مأهولة بعيدة المدى.
ويظل من الضروري التمييز بين ما أعلنته الشركة عن قدرات المسيّرة وبين ما يمكن إثباته من خلال اختبارات تشغيلية موثقة ومستقلة، خصوصا فيما يتعلق بالمدى الفعلي، ودقة التعرف على الأهداف، وقدرات التوجيه في ظروف تشغيلية مختلفة. فاختبار مجسم محاكي يمثل مرحلة مهمة في عملية التطوير، لكنه لا يعادل بالضرورة اختبارا عملياتيا كاملا في ظروف ميدانية معقدة.
ومع ذلك، فإن إعلان مشروع مغربي عن مسيرة بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر، مقرونة بأنظمة توجيه وتعرف ذكية، يكشف عن اتساع الطموح الصناعي في مجال الأنظمة غير المأهولة. فالمعادلة الدفاعية الحديثة لم تعد تقوم فقط على امتلاك الطائرات والمعدات التقليدية، وإنما أصبحت تعتمد بشكل متزايد على القدرة على الاستشعار ومعالجة المعلومات وتوجيه المنصات عن بعد وتنفيذ المهام بدقة وعلى مسافات بعيدة.
وبذلك، لا تبدو قصة بي دي إس مجرد إعلان عن مسيرة جديدة، بل حلقة إضافية في مسار بناء صناعة دفاعية مغربية تسعى إلى الانتقال من اقتناء المنظومات الجاهزة إلى تطوير التكنولوجيا والخبرة محليا. وإذا تمكنت هذه المنظومة من ترجمة المدى المعلن وقدرات التوجيه الذكي إلى أداء عملياتي مثبت، فإن رقم 2000 كيلومتر لن يكون مجرد رقم تقني، بل مؤشرا على دخول الصناعة المغربية مرحلة جديدة في سباق المسيرات بعيدة المدى.
28/09/2026