kawalisrif@hotmail.com

فرنسا تفتح خزائنها العسكرية للمغرب.. مدريد تستفيق على صعود قوة صناعية جديدة جنوب المتوسط

فرنسا تفتح خزائنها العسكرية للمغرب.. مدريد تستفيق على صعود قوة صناعية جديدة جنوب المتوسط

يبدو أن بعض الأوساط الإسبانية بدأت تستوعب، ولو متأخرة، أن المغرب لم يعد مجرد زبون يقتني الأسلحة الجاهزة، بل يتحول تدريجيا إلى شريك يريد التكنولوجيا والتصنيع ونقل الخبرة. وهذه المرة جاء القلق من مدريد عبر باريس، بعدما كشف موقع إسباني عن تفاصيل لاتفاقات عسكرية وصناعية بين فرنسا والمغرب تتجاوز بيع السلاح إلى التعاون في الإنتاج ونقل التكنولوجيا والتكوين، وفتح الطريق أمام حضور مغربي أكبر في السوق الإفريقية.

التقرير يقدم قراءة إسبانية قلقة لهذا التحول، ويضع فرنسا أمام مفارقة واضحة: باريس تتحدث عن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه توسع تعاونها العسكري والصناعي مع شركاء خارج الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتهم المغرب والهند، عندما تجد في ذلك مصلحة لصناعتها ونفوذها. ويبدو أن الاستقلال الاستراتيجي يصبح أكثر مرونة عندما تدخل المصالح الصناعية على الخط.

وبحسب الموقع، فإن التعاون الفرنسي المغربي يشمل التصنيع المشترك لمعدات دفاعية، وإنتاج مركبات مدرعة وأنظمة رادار، إلى جانب نقل التكنولوجيا والتعويضات الصناعية والاستثمارات في مناطق مخصصة للصناعة الدفاعية بالمغرب. وهي معادلة تتجاوز منطق البيع والشراء، لتضع التصنيع المحلي والتكوين ونقل الخبرة في قلب التعاون بين البلدين.

وهنا تكمن النقطة الأكثر إزعاجا بالنسبة إلى مدريد: الرباط، وفق التقرير، لا تريد معدات تصل جاهزة وتنتهي قصتها عند التسليم، بل تسعى إلى امتلاك جزء من التكنولوجيا والقدرة على التصنيع والتطوير والصيانة داخل المملكة. فالدولة التي تصنع جزءا من احتياجاتها العسكرية تختلف جذريا عن الدولة التي تعتمد على الاستيراد الكامل.

ويتحدث التقرير عن نظام للتعويضات الصناعية يتيح إعادة استثمار جزء من قيمة العقود داخل الاقتصاد المغربي، من خلال المناولة والتكوين والاستثمار والإنتاج المحلي. كما يشير إلى توجه نحو رفع نسبة المحتوى المحلي في بعض المشاريع، وإقامة مراكز للبحث والتطوير وربط الصناعة الدفاعية بالجامعات والكفاءات المغربية، بما قد يمنح الصناعة العسكرية بعدا أكثر استدامة.

وحسب هذه المعطيات، تبدو المعادلة واضحة: فرنسا تبيع المعدات والخبرة، بينما يسعى المغرب إلى تحويل جزء من هذه الصفقات إلى مصانع وكفاءات وسلاسل إنتاج. وبذلك، لا تنتهي الحكاية، كما قد تتمنى بعض الحسابات القديمة، بمجرد وصول الشحنة إلى الميناء، بل قد تبدأ هناك مرحلة جديدة عنوانها التصنيع والتطوير وتراكم الخبرة.

والأهم أن باريس لا تنظر إلى المغرب كسوق منفرد. فالموقع الإسباني يربط التعاون الدفاعي بالطموح المغربي نحو إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يمكن للتصنيع المحلي والتجميع بموجب تراخيص أن يفتحا الباب أمام أسواق جديدة. وهنا يصبح الاستثمار في الصناعة الدفاعية مرتبطا أيضا بطموح اقتصادي وتجاري يتجاوز حدود السوق المغربية.

وتظهر المفارقة التي تزعج مدريد أكثر من غيرها في كون فرنسا لا تعزز حضورها في المغرب فقط، بل يمكن أن تجد فيه منصة صناعية وتجارية للوصول إلى أسواق إفريقية تتراجع فيها مكانتها التقليدية. أما المغرب، فيحصل في المقابل على التكنولوجيا والخبرة وموقع أكبر داخل سلاسل الصناعة الدفاعية، وهي مكاسب لا تقاس فقط بعدد المعدات التي تدخل الخدمة.

المشهد لا يقف عند باريس. فالرباط تنوع شركاءها بين الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، وتتحرك في اتجاه بناء قدرات عسكرية وصناعية متعددة المصادر، بدل الارتهان لمورد واحد. وهذا التنوع يمنح المغرب هامشا أوسع للمناورة في اختيار التكنولوجيا والخبرة والشراكات، ويجعل سوقه الدفاعية أكثر جذبا للقوى الصناعية المتنافسة.

ولهذا لم يعد السؤال الإسباني، كما يبدو من مضمون التقرير، منصبا فقط على عدد الأسلحة التي يقتنيها المغرب، بل على نوع القدرات التي يمكن أن تبقى داخل المغرب بعد انتهاء الصفقات. فامتلاك طائرة أو منظومة دفاعية يمنح قدرة عسكرية، لكن امتلاك مصنع ومهندسين وخبرات وسلاسل توريد يمنح قدرة على الاستمرار والتطوير، وهنا تحديدا تكمن حساسية التحول.

التقرير يذهب أبعد من ذلك عندما يطرح سيناريو افتراضيا يتعلق بأي نزاع محتمل بين المغرب وإسبانيا، ويتحدث عن الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية والصواريخ الدقيقة ومفهوم منع الوصول والسيطرة على المجال A2/AD. غير أن هذه الجزئية تبقى تحليلا وسيناريو افتراضيا للموقع، ولا تشكل دليلا على وجود خطة مغربية لخوض حرب ضد إسبانيا، وهو تمييز أساسي عند قراءة مثل هذه التقارير.

لكن مجرد طرح هذه الفرضيات يكشف مستوى الاهتمام الإسباني بتطور القدرات المغربية. فالمعادلة الإقليمية تتغير، ليس فقط بسبب صفقات السلاح، وإنما بسبب دخول الصناعة والتكنولوجيا والبحث والتطوير على الخط. والمثير أن بعض التحليلات الإسبانية بدأت تنظر إلى المسألة من زاوية ما سيبقى في المغرب بعد الصفقة، لا إلى ما سيغادره من معدات بعد توقيعها.

واللافت أن التقرير نفسه يكشف، من حيث لا يقصد، عن تحول أوسع: المغرب أصبح قادرا على جذب منافسين كبار إلى سوقه الدفاعية، وكل طرف يحاول تثبيت موطئ قدم داخل المملكة. فرنسا تريد حماية مصالح صناعتها ونفوذها الإفريقي، والولايات المتحدة تعزز شراكتها العسكرية، وإسرائيل توفر تكنولوجيا متقدمة، بينما تحاول الرباط الاستفادة من تعدد الخيارات بدل الاكتفاء بدور المستورد.

وهنا بالضبط تبدو الحسابات القديمة في حاجة إلى مراجعة. فالمغرب لا يطرق أبواب مصانع السلاح فقط، بل يحاول أن يدخل إلى داخلها من بوابة التصنيع ونقل التكنولوجيا والاستثمار. ووفق المعطيات، فالمسألة لا تتعلق بصفقة عسكرية عابرة، بل بمسار يمكن أن يحول المغرب تدريجيا إلى مركز صناعي دفاعي ذي امتداد إفريقي.

وهذا هو الجزء الذي يبدو أنه يثير القلق الحقيقي في مدريد: ليس أن المغرب يشتري أسلحة جديدة، بل أنه يريد أن يعرف كيف تصنع، وأن يصنع بعضها بنفسه، ثم يطرق بها أبواب أسواق أخرى. فالفارق كبير بين بلد يشتري المنتج النهائي، وبلد يسعى إلى امتلاك جزء من المعرفة والخبرة وسلسلة الإنتاج التي تقف خلف ذلك المنتج.

باختصار، باريس لا تبيع الرباط الحديد فقط، بل تفتح أمامها بابا إلى المعرفة التي تصنع الحديد. ومدريد، التي اعتادت النظر إلى الضفة الجنوبية من زاوية الحدود والهجرة والأمن، تجد نفسها أمام مغرب يتحرك في مساحة أوسع بكثير: صناعة، تكنولوجيا، دفاع، استثمار وأسواق إفريقية، وهي مساحة لا يمكن اختزالها في صفقة سلاح أو عقد عسكري واحد.

والواضح أن السؤال لم يعد: من يبيع السلاح للمغرب؟ بل: ماذا سيصنع المغرب غدا بما تعلمه من هؤلاء البائعين؟

28/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts