kawalisrif@hotmail.com

بورتريه :       فاطمة الزهراء المنصوري .. من مراكش ودهاليز المحاماة إلى رئاسة الحكومة

بورتريه : فاطمة الزهراء المنصوري .. من مراكش ودهاليز المحاماة إلى رئاسة الحكومة

لم تكن فاطمة الزهراء المنصوري بحاجة إلى الوصول إلى قلب النقاش حول رئاسة الحكومة حتى تصبح واحدة من أبرز النساء اللواتي بصمن حضورهن في الحياة السياسية المغربية. فمنذ خروجها من مدرجات القانون إلى تدبير مدينة مراكش، ثم انتقالها إلى البرلمان والحكومة وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، ظلت صاحبة مسار سياسي متدرج، جمع بين التكوين القانوني والتجربة المحلية والعمل الحزبي والحضور داخل مؤسسات الدولة.

واليوم، وبعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية الأخيرة، عاد اسم المنصوري بقوة إلى واجهة المشهد السياسي، في سياق غير مسبوق قد يفتح الباب أمام وصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة المغربية. وكانت المنصوري نفسها قد قالت، عقب الانتخابات، إن الحديث عن تعيينها سابق لأوانه، لكنها أكدت أنها مستعدة لتحمل المسؤولية إذا وقع عليها الاختيار، مع التشديد على احترام القرار الملكي.

غير أن فهم اللحظة الحالية يقتضي العودة إلى البداية، إلى مراكش، المدينة التي ارتبط بها اسم المنصوري منذ سنواتها الأولى في السياسة.

ولدت فاطمة الزهراء المنصوري سنة 1976، ونشأت في محيط كان الشأن العام حاضراً فيه بشكل واضح. ووفق المعطيات المنشورة في السيرة الرسمية لحزب الأصالة والمعاصرة، فإن والدها عبد الرحمن المنصوري سبق أن شغل منصب باشا مدينة مراكش لثماني سنوات، وهو ما جعلها تنشأ قريبة من تفاصيل الإدارة والشأن المحلي، قبل أن تختار لنفسها مساراً مهنياً وسياسياً مستقلاً.

اختارت المنصوري في البداية القانون، وحصلت على الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس، قبل أن تواصل تكوينها في فرنسا والولايات المتحدة، حيث تخصصت في قانون عقود الأعمال والقانون الأنجلوسكسوني للأعمال. كما راكمت تجربة مهنية كمحامية، وأسست شركة متخصصة في قانون المعاملات العقارية والتجارية.

ذلك المسار القانوني لم يبق بعيداً عن السياسة طويلاً.

ففي سنة 2009، دخلت المنصوري واحدة من أكثر التجارب التي ستطبع مسيرتها، عندما انتُخبت رئيسة للمجلس الجماعي لمدينة مراكش، لتصبح أول امرأة تتولى عمودية المدينة. وكانت تلك المحطة بمثابة انتقال فعلي من عالم الملفات والعقود والمرافعات إلى عالم تدبير مدينة كبيرة بكل تعقيداته، من التعمير والاستثمار والنقل والتهيئة إلى قضايا الأحياء والساكنة والتراث.

ومن مراكش بدأت صورتها الوطنية تتشكل تدريجياً.

فالمنصوري لم تكتف بتجربتها في تدبير المدينة، بل انخرطت بقوة في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي كانت من أبرز الوجوه النسائية فيه، وتدرجت داخل هياكله التنظيمية، كما انتُخبت برلمانية لولايتين، وتولت رئاسة المجلس الوطني للحزب سنة 2020.

وفي انتخابات 2021، عادت مجدداً إلى رئاسة جماعة مراكش، قبل أن تنتقل في السنة نفسها إلى الحكومة، بعدما عينها الملك محمد السادس وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة ضمن حكومة عزيز أخنوش. وهنا بدا المسار المحلي الذي بدأته في مراكش متصلاً بشكل مباشر بالحقيبة الوزارية التي تتقاطع ملفاتها مع التعمير والإسكان وتنظيم المجال.

ومن داخل الحكومة، حافظت المنصوري في الوقت نفسه على حضورها الحزبي، إلى أن أصبحت سنة 2024 منسقة للقيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، في مرحلة أعادت فيها قيادة الحزب صياغة موقعها داخل الأغلبية الحكومية.

وبذلك أصبح مسارها السياسي يجمع بين ثلاث دوائر رئيسية: تجربة ميدانية بدأت من مراكش، وتجربة حكومية داخل واحد من أهم القطاعات المرتبطة بالمدن والمجال، وموقع قيادي داخل حزب أصبح رقماً أساسياً في المعادلة السياسية الوطنية.

وتكشف سيرتها أيضاً عن حضور دولي مبكر في مجال التكوين والقيادة. فقد حصلت على تكوين قانوني في فرنسا والولايات المتحدة، كما أدرجتها مجلة “فوربس” ضمن قائمة قيادات شابة مؤثرة في إفريقيا، بينما اختيرت سنة 2014 ضمن مبادرة “Young Global Leaders” التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي للقيادات الشابة.

أما وصفها لنفسها بـ”ابنة الصالحين”، فقد ارتبط بصورة المنصوري عن جذورها العائلية والمراكشية، وتحول لاحقاً إلى عبارة متداولة في النقاش حول شخصيتها ومسارها السياسي. وقد سبق لحزب الأصالة والمعاصرة أن خصص توضيحاً لهذا التعبير بعد الجدل الذي رافقه سنة 2024.

لكن ما يميز المرحلة الحالية أن المنصوري لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها عمدة سابقة لمراكش أو وزيرة أو قيادية حزبية، بل أصبحت في قلب النقاش بشأن من سيقود الحكومة المقبلة.

فبعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، وهو ما وضع المنصوري، بصفتها منسقة القيادة الجماعية للحزب، في واجهة النقاش حول تشكيل الحكومة المقبلة.

وفي 24 شتنبر، سُئلت المنصوري مباشرة عن احتمال توليها رئاسة الحكومة، فرفضت الدخول في التكهنات، قبل أن تؤكد استعدادها لتحمل المسؤولية إذا وقع عليها الاختيار. وبعد ذلك، تزايدت المؤشرات السياسية والإعلامية حول احتمال تكليفها، خصوصاً مع تداول أخبار عن استدعائها إلى القصر الملكي، في انتظار الإعلان الرسمي.

وإذا انتهى هذا المسار فعلاً إلى تعيينها رئيسة للحكومة، فإن الأمر لن يكون مجرد انتقال شخصي من حقيبة وزارية إلى منصب أعلى، بل سيكون حدثاً غير مسبوق في تاريخ الحكومات المغربية، باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة.

لكن رمزية المرأة الأولى في هذا الموقع ستبقى جزءاً واحداً فقط من القصة. فالموقع الذي تتجه إليه المنصوري، إن تم التكليف، يحمل معه ملفات ثقيلة تتعلق بالاقتصاد والتشغيل والتعليم والصحة والاستثمار والسكن والإدارة، إلى جانب رهانات المرحلة المقبلة والاستعدادات المرتبطة بالاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب.

وهنا تعود مراكش مرة أخرى إلى واجهة الحكاية.

فالمرأة التي بدأت مسارها من مدينة كانت تحتاج إلى من يدبر تفاصيلها اليومية، والتي انتقلت بعدها إلى البرلمان ثم الحكومة ثم قيادة حزب سياسي، تجد نفسها اليوم أمام احتمال الانتقال من تدبير مدينة إلى المشاركة في تحديد اتجاه الحكومة بأكملها.

وبين 1976 و2026، تغير الكثير في حياة فاطمة الزهراء المنصوري. المحامية أصبحت سياسية، والسياسية أصبحت عمدة، والعمدة أصبحت برلمانية ووزيرة، والوزيرة أصبحت قيادة حزبية بارزة، قبل أن يتحول اسمها إلى أحد أبرز الأسماء المطروحة لرئاسة الحكومة.

ومن “ابنة الصالحين” القادمة من مراكش إلى واحدة من أكثر الشخصيات النسائية حضوراً في السياسة المغربية، تبدو مسيرة المنصوري أقرب إلى سلسلة محطات متتابعة منها إلى قفزة مفاجئة.

أما الفصل الجديد، فقد بدأ مع انتخابات 23 شتنبر، وما ستؤول إليه مشاورات تشكيل الحكومة سيحدد ما إذا كانت هذه الرحلة ستصل فعلاً إلى محطة لم تصل إليها امرأة مغربية من قبل.

29/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts