في مقال مشبع بالنبرة العسكرية والسياسية، يحاول عقيد متقاعد من الجيش الإسباني بناء جسر مباشر بين أزمة بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي سنة 2021 وبين ما يقدمه باعتباره ضغطاً مغربياً على سبتة ومليلية. غير أن المشكلة تبدأ منذ اللحظة التي يتحول فيها التشابه في المشهد إلى تطابق في النوايا، ثم تتحول أزمة هجرة إلى “حرب هجينة”، قبل أن يصبح الخلاف حول مدينتين ذريعة لإعادة رسم صورة المغرب باعتباره نسخة جنوبية من بيلاروسيا. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان التشبيه مثيراً، بل ما إذا كان يمتلك الأدلة التي تجعله صحيحاً.
فالكاتب ينطلق من فرضية جاهزة مفادها أن المغرب يريد “ضم” سبتة ومليلية، وكأن الأمر يتعلق بأراضٍ لا علاقة لها بنزاع تاريخي وسياسي معروف. لكن حتى المصطلح نفسه يكشف زاوية الرواية التي يتبناها المقال. ففي التصور المغربي، الحديث ليس عن “ضم” أراضٍ أجنبية، وإنما عن استرجاع مدينتين يعتبرهما المغرب جزءاً من مجاله الوطني. وبالتالي، فإن تحويل “الاسترجاع” إلى “مشروع ضم” ليس مجرد اختيار لغوي بريء، بل إعادة صياغة للمسألة من منظور الطرف المقابل.
والأكثر إثارة أن الكاتب يستدعي بيلاروسيا باعتبارها النموذج الذي ينبغي إسقاطه على المغرب. نعم، توجد في الحالة البيلاروسية وقائع موثقة رسمياً؛ فقد أعلن الاتحاد الأوروبي في 2021 أن نظام ألكسندر لوكاشينكو قام باستغلال المهاجرين واللاجئين لأهداف سياسية، ثم وسع نظام العقوبات ليستهدف أفراداً وكيانات قال إنها ساهمت في تنظيم أو تسهيل عمليات العبور غير النظامي عبر بيلاروسيا.
بل إن الاتحاد الأوروبي ذهب أبعد من ذلك، إذ فرض في ديسمبر 2021 إجراءات تقييدية إضافية شملت 17 شخصاً و11 كياناً، بينها شركات طيران ومنظمو رحلات وفنادق، على خلفية ما وصفه بالمساهمة في تنظيم عمليات العبور غير القانوني واستغلال الهجرة لأغراض سياسية.
وهنا تحديداً يسقط التشبيه الإسباني في أول اختبار حقيقي: في حالة بيلاروسيا، لم يكن الاتحاد الأوروبي أمام مجرد مقال صحفي أو تحليل عسكري متقاعد، بل أمام مواقف وقرارات رسمية وعقوبات محددة وأسماء وكيانات مستهدفة. أما في الحالة المغربية، فإن الكاتب لا يقدم في مقاله ما يعادل هذه السلسلة من الأدلة الرسمية التي تسمح بالقول إن الاتحاد الأوروبي أو الناتو تبنيا توصيفاً مماثلاً للمغرب.
وبعبارة أكثر صراحة: وجود “حرب هجينة” موثقة في الحالة البيلاروسية لا يجعل كل أزمة هجرة في العالم حرباً هجينة، ولا يحول كل دولة تختلف مع إسبانيا حول ملف حدودي إلى بيلاروسيا جديدة. وإلا أصبح المصطلح مجرد مظلة سياسية توضع تحتها كل واقعة حدودية لا تنسجم مع الرواية المرغوبة.
والقفزة الأكبر تظهر عندما يستدعي المقال قمة الناتو في مدريد سنة 2022، في محاولة لإسناد فكرة أن إسبانيا كانت أمام فرصة لتدويل ما يصفه الكاتب بالتهديد الهجين القادم من الجنوب. لكن الوثائق الرسمية للحلف تقول شيئاً أكثر تحديداً بكثير: مفهوم الناتو الاستراتيجي لعام 2022 وصف روسيا بأنها “أهم تهديد مباشر” لأمن الحلفاء، وتحدث عن الإرهاب والهجمات السيبرانية والمخاطر الهجينة والتهديدات غير المتماثلة، كما أشار إلى أن عدم الاستقرار خارج حدود الحلف يمكن أن يسهم في الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر. ولم يصنف المغرب في هذه الوثائق باعتباره تهديداً استراتيجياً.
وهنا تصبح المسافة بين الوثيقة الرسمية والمقال الصحفي واسعة إلى درجة يصعب تجاهلها. فالناتو تحدث عن “الهجمات الهجينة” باعتبارها جزءاً من بيئة أمنية واسعة، لكنه لم يمنح الكاتب الإسباني الشهادة التي يبحث عنها لإدخال المغرب في خانة التهديدات التي يريد ربطها بسبتة ومليلية.
أما محاولة إعادة تدوير أحداث 17 ماي 2021 في سبتة، وربط دخول آلاف الأشخاص إلى المدينة بالخلاف الإسباني المغربي حول استقبال إبراهيم غالي، ثم تقديم الواقعة باعتبارها دليلاً على “حرب هجينة” مغربية، فهي بدورها تحتاج إلى أكثر من التزامن السياسي. الربط بين حدثين لا يثبت وحده وجود قرار رسمي أو خطة حكومية لاستخدام الهجرة كسلاح. ومن دون وثائق أو أدلة مباشرة تثبت سلسلة الأمر والتنظيم والهدف، يبقى هذا الربط في نطاق التحليل السياسي للكاتب.
والأخطر في هذه الرواية أنها تحاول اختزال ملف سبتة ومليلية في معادلة أمنية ضيقة: مهاجرون، حدود، ضغط، ثم “حرب هجينة”. لكن القضية أقدم وأوسع من ذلك بكثير. فسبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين على خريطة الهجرة الأوروبية، ولا يمكن اختزال خلفيتهما التاريخية والسياسية في معابر حدودية فقط. ومن المنظور المغربي، فإن الحديث يتعلق باسترجاع الثغرين، وهو موقف سياسي وتاريخي معروف، لا يحتاج إلى أن يتحول في كل مرة إلى “مؤامرة هجينة” حتى يكون قابلاً للنقاش.
والسؤال المحرج الذي يطرحه المقال على نفسه من دون أن ينتبه إليه هو: إذا كان المغرب مجرد “شريك موثوق” كما تصفه إسبانيا في ملفات عديدة، فكيف يتحول في مقال واحد إلى نسخة مغربية من بيلاروسيا؟ وإذا كانت العلاقات المغربية الإسبانية قد انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى التعاون في مجالات الأمن والهجرة والتجارة، فهل يصبح كل خلاف أو أزمة حدودية دليلاً تلقائياً على “حرب”؟ أم أن الأمر يتعلق بخلط متعمد بين التعاون والخلاف، بين إدارة الحدود والنزاع السياسي، وبين الهجرة باعتبارها تحدياً مشتركاً والهجرة باعتبارها أداة حرب؟
وهنا تكمن المفارقة الأكثر صدمة: المقال الذي يحذر من “الحرب الهجينة” يقع في خطر توسيع مفهوم الحرب نفسه، إلى درجة يصبح فيها كل شيء تقريباً جزءاً من المعركة؛ الهجرة حرب، والحدود حرب، والخلاف الدبلوماسي حرب، والخطاب السياسي حرب، وحتى قضية سبتة ومليلية تُعاد هندستها داخل قاموس عسكري. وعندما تصبح كل الملفات حرباً، تفقد كلمة “الحرب” قدرتها على التمييز بين الوقائع الحقيقية والاستنتاجات السياسية.
بل إن المقارنة مع بيلاروسيا قد تنقلب على صاحبها. فالاتحاد الأوروبي لم يكتف آنذاك بوصف ما جرى، بل اتخذ إجراءات قانونية وسياسية محددة، ووسع معايير العقوبات، واستهدف جهات وأفراداً اعتبرهم متورطين في تسهيل العبور غير النظامي واستغلال المهاجرين لأهداف سياسية. أما حين يتعلق الأمر بالمغرب، فإن المقال لا يقدم ما يماثل هذه القرارات الرسمية التي تسمح بتحويل التشبيه إلى حقيقة مثبتة.
ومن ثم، فإن محاولة وضع المغرب في القالب نفسه تبدو، في حدود الأدلة التي يعرضها المقال، أقرب إلى بناء سردية سياسية منها إلى تقديم ملف إثبات. فالكاتب يبدأ من النتيجة التي يريد الوصول إليها، ثم يبحث عن وقائع يمكن ترتيبها حولها: الهجرة، سبتة، مليلية، أزمة 2021، الناتو، بيلاروسيا. لكن جمع هذه العناصر في فقرة واحدة لا يصنع بالضرورة “حرباً هجينة”، كما أن تكرار المصطلح لا يحوله إلى حقيقة.
والأشد دلالة أن الوثيقة الأطلسية التي يستند إليها الكاتب لا تقول ما يريدها أن تقوله. ففي الوقت الذي حدد فيه الناتو روسيا باعتبارها التهديد الأكثر أهمية ومباشرة، تحدث عن الهجمات الهجينة والسيبرانية والإرهاب وعدم الاستقرار والهجرة باعتبارها تحديات ضمن مشهد أمني أوسع. وبالتالي، فإن محاولة استخراج “تهديد مغربي” محدد من تلك الوثيقة تبدو قفزة تفسيرية لا نتيجة مباشرة لنصها.
وفي نهاية المطاف، لا يحتاج ملف سبتة ومليلية إلى استعارة بيلاروسيا حتى يصبح مثيراً، ولا تحتاج قضية الاسترجاع في التصور المغربي إلى تحويلها إلى “حرب هجينة” كي تظل حاضرة في النقاش السياسي. القضية قائمة بذاتها، بتاريخها ومواقف أطرافها وحساسيتها داخل العلاقات المغربية الإسبانية. أما تحويلها إلى نسخة جديدة من أزمة الحدود البيلاروسية، فيحتاج إلى ما هو أكبر بكثير من التشبيه البلاغي: يحتاج إلى وثائق، وأوامر، وقرارات، وأدلة قابلة للتحقق.
وهنا تحديداً تنكشف الثغرة الأكبر في الرواية: بين “الاسترجاع” كما يراه المغرب و”الضم” كما تصفه الرواية الإسبانية، وبين “أزمة هجرة” و”حرب هجينة”، توجد مسافة هائلة لا يستطيع العنوان العسكري وحده أن يردمها. وما لم تُملأ هذه المسافة بأدلة رسمية ومباشرة، فإن تحويل سبتة ومليلية إلى “جبهة حرب” لا يثبت وجود الحرب بقدر ما يكشف حجم القلق الذي لا يزال يثيره ملف الثغرين داخل الخطاب السياسي والأمني الإسباني.
29/09/2026