kawalisrif@hotmail.com

فرقاطتان عسكريتان إسبانيتان تقتربان من مياه الناظور والحسيمة … مدريد تستنفر المتوسط وتلوّح بـ”الردع”

فرقاطتان عسكريتان إسبانيتان تقتربان من مياه الناظور والحسيمة … مدريد تستنفر المتوسط وتلوّح بـ”الردع”

يبدو أن البحر المتوسط لم يعد يتسع لكل هذا القلق الإسباني! فبينما تنشغل السفن التجارية بحساب مساراتها، والموانئ بجدولة شحناتها، قررت مدريد أن تضيف جرعة جديدة من “الطمأنينة” إلى المشهد، بإرسال فرقاطتيها الحربيتين “نافارا” (F-85) و”كريستوبال كولون” (F-105) في انتشار بحري يشمل مناطق استراتيجية في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية وشمال إفريقيا.

العملية، بحسب هيئة الأركان العامة للدفاع الإسبانية، بدأت في 26 شتنبر وتستمر إلى غاية 2 نونبر، وتشمل خليج قادس وبحر ألبوران ومناطق أخرى من البحر المتوسط، إلى جانب البحرين الأدرياتيكي والأيوني. كما ستندمج الفرقاطتان ضمن المجموعة البحرية الدائمة الثانية لحلف شمال الأطلسي “SNMG-2″، وتشاركان في نشاط “نيبتون سترايك 26.4”.

وحتى هنا، لا شيء استثنائياً في عالم الجيوش؛ فرقاطات تتحرك، ومناورات تُنظم، وحلف شمال الأطلسي يريد أن يثبت مرة أخرى أن لديه سفناً في البحر. لكن الحكاية تصبح أكثر إثارة عندما يتعلق الأمر بمضيق جبل طارق وبحر ألبوران وخليج قادس، أي تلك الرقعة البحرية التي يبدو أن مدريد تنظر إليها بعين لا تعرف كثيراً من الهدوء.

وزارة الدفاع الإسبانية تتحدث عن “الحضور والمراقبة والردع”، وهي ثلاث كلمات كافية، على ما يبدو، لجعل البحر يبدو وكأنه يعيش حالة طوارئ دائمة. فالهدف المعلن هو مراقبة المجالات البحرية ذات الأهمية لإسبانيا وحلفائها، ودعم عملية “سي غارديان”، وتعزيز قابلية العمل المشترك مع القوات البحرية الحليفة، فضلاً عن إجراء تدريبات وعمليات تعاون مع بحريتي إيطاليا واليونان.

بعبارة أخرى، لا أحد يقول رسمياً إن الفرقاطتين ذاهبتان لمواجهة المغرب، ولا توجد في المعطيات الرسمية المتاحة إشارة إلى مهمة عدائية ضد المملكة. لكن بعض العناوين الإعلامية الإسبانية اختارت أن تقدم المشهد بطريقة أكثر إثارة، فتحدثت عن فرقاطات تنتشر “أمام سواحل المغرب”. وهنا يبدأ الفارق بين ما تقوله المؤسسة العسكرية وما تحب بعض العناوين أن توحي به.

والطريف أن الأمر لا يتعلق ببحر مجهول أو منطقة بعيدة عن أعين الجميع، بل بمضيق يعرفه المغرب جيداً، ويعرف الأوروبيون جيداً أن أمنه واستقراره مرتبطان بتعاون ضفتيه، لا بكثرة استعراض القطع البحرية فيه.

أما مدريد، فتبدو كأنها اكتشفت فجأة أن بحر ألبوران موجود وأن مضيق جبل طارق يحتاج إلى من يراقبه. ولذلك لا بأس بفرقاطة هنا وأخرى هناك، ومناورة للناتو من جهة، وعملية “ردع” من جهة أخرى، حتى يبدو البحر وكأنه ينتظر كل صباح بياناً جديداً من وزارة الدفاع الإسبانية.

والحال أن المنطقة شهدت بالفعل تدريبات وانتشاراً بحرياً إسبانياً خلال السنة، بما في ذلك مناورات “MAR-26” التي شملت خليج قادس ومضيق جبل طارق وبحر ألبوران. واليوم تعود الفرقاطات إلى المشهد، لتؤكد مدريد أن الحضور البحري في هذه المنطقة ليس مناسبة عابرة، بل جزء من تصور أمني أوسع.

غير أن المفارقة تكمن في أن المغرب لا يحتاج إلى تحويل كل حركة بحرية إلى مسرحية عسكرية حتى يعرف أهمية هذه المياه. فالمملكة توجد في قلب هذا المجال الجغرافي، وتتعامل مع مضيق جبل طارق باعتباره ممراً استراتيجياً للتجارة والملاحة، وليس منصة لاستعراض العضلات أو صناعة العناوين المثيرة.

ومع توسع البنية المينائية المغربية، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط ومشروع الناظور غرب المتوسط، واستمرار تطوير المشاريع الاستراتيجية على الواجهة المتوسطية، أصبحت المنطقة أمام واقع اقتصادي ولوجستي جديد لا يمكن اختزاله في عدد الفرقاطات التي تدخل البحر أو تخرج منه.

لذلك، قد تسمي مدريد انتشارها “مراقبة وردعاً”، وقد يقدمه الناتو باعتباره جزءاً من التعاون البحري، وهذا حقها العسكري والسياسي. لكن تحويل كل انتشار بحري إلى قصة عن “المياه القريبة من المغرب” يحتاج إلى شيء من التريث، حتى لا يتحول البحر المتوسط نفسه إلى بطل إضافي في مسلسل القلق الإسباني.

فالفرقاطات ستبحر، والمناورات ستنتهي، والقطع البحرية ستعود إلى قواعدها. أما مضيق جبل طارق فسيبقى في مكانه، والمغرب سيبقى على ضفته الجنوبية، يتابع المشهد بهدوء، بينما يبدو أن بعض العواصم لا تزال تتعامل مع الجغرافيا وكأنها خبر عاجل قابل للتحديث كل صباح.

30/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts