kawalisrif@hotmail.com

الجزائر تفتح خزائن الحرب .. مليارات ضخمة و”HQ-17″ الصينية تدخل على خط سباق التسلح مع المغرب

الجزائر تفتح خزائن الحرب .. مليارات ضخمة و”HQ-17″ الصينية تدخل على خط سباق التسلح مع المغرب

في الوقت الذي تواصل فيه الجزائر ضخ مليارات الدولارات في تحديث ترسانتها العسكرية، ظهرت مؤشرات جديدة على احتمال إدخال منظومة الدفاع الجوي الصينية “HQ-17” إلى الخدمة، في خطوة تضاف إلى سلسلة طويلة من صفقات التسلح الروسية والصينية. وأظهرت صور متداولة حديثاً في الصين مركبات تابعة للمنظومة تحمل نمط تمويه يتوافق مع أنماط مستخدمة في معدات عسكرية جزائرية، فيما أشارت مصادر صينية إلى الجزائر باعتبارها الوجهة المحتملة لهذه المنظومات.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن “HQ-17” عبارة عن منظومة متنقلة للدفاع الجوي قصير المدى، طورتها الصين بالاستناد إلى الخبرة المكتسبة من المنظومة الروسية “Tor-M1”. وتجمع المنظومة بين الرادار ووسائل التتبع وتوجيه النيران والصواريخ على منصة واحدة، بما يسمح لها بالتعامل مع أهداف جوية تحلق على ارتفاعات منخفضة، مثل الطائرات والمروحيات والطائرات المسيّرة وبعض الأسلحة الدقيقة.

لكن اللافت في هذه التطورات لا يتعلق بالمنظومة الصينية وحدها، بل بحجم الإنفاق الذي تخصصه الجزائر لتحديث قواتها المسلحة، في وقت تواصل فيه الرباط تعزيز قدراتها العسكرية وفق مقاربة مختلفة. فالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية “IISS” يقدر أن الجزائر أنفقت حوالي 25.5 مليار دولار على الدفاع سنة 2025، مقابل نحو 7.51 مليارات دولار للمغرب، أي أن الإنفاق الجزائري تجاوز نظيره المغربي بأكثر من ثلاثة أضعاف.

ولا تتوقف الأرقام عند هذا الحد، إذ تقدر ميزانية الدفاع الجزائرية المتوقعة لعام 2026 بنحو 24.5 مليار دولار، فيما يشير المعهد إلى أن انخفاض بعض الاعتمادات لا يعني بالضرورة تراجع مسار التحديث، خصوصاً مع ارتفاع الموافقات المتعلقة بالتزامات دفاعية جديدة. وبذلك، تظل المؤسسة العسكرية الجزائرية من أبرز القطاعات التي تستفيد من موارد مالية ضخمة، في وقت يستمر فيه التوتر السياسي بين البلدين منذ قطع العلاقات الدبلوماسية سنة 2021.

وتكشف بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “SIPRI” بدورها عن حجم هذا الإنفاق، إذ استحوذت الجزائر على 53 في المائة من واردات شمال إفريقيا من منظومات الأسلحة الرئيسية خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2024، مقابل 34 في المائة للمغرب. وكانت روسيا المصدر الأكبر لواردات الجزائر بنسبة 48 في المائة، تليها الصين بنسبة 19 في المائة، بينما وفرت الولايات المتحدة 64 في المائة من الأسلحة الرئيسية التي استوردها المغرب.

والفارق هنا ليس مجرد رقم عابر، بل يعكس مسارين مختلفين في بناء القدرات العسكرية. فالجزائر تعتمد بصورة أساسية على روسيا، مع توسع متزايد في الشراكة مع الصين، بينما اختار المغرب تنويع مصادر تسليحه وربط جزء كبير من تحديث قواته بشراكات مع الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا. وهي مقاربة تقوم على تعدد مصادر التكنولوجيا وتفادي الارتهان لمنظومة تسليح واحدة.

وفي مجال الدفاع الجوي تحديداً، تمتلك الجزائر شبكة واسعة تضم منظومات روسية وصينية متعددة المديات، من بينها “S-300PMU-2″ و”S-400” و”HQ-9″، إضافة إلى “Buk-M2” متوسطة المدى، فضلاً عن قدرات في مجال الحرب الإلكترونية. وإذا تأكد إدخال “HQ-17″، فإن المنظومة ستضيف طبقة متنقلة قصيرة المدى إلى هذه البنية، مخصصة خصوصاً للتعامل مع التهديدات الجوية التي تحلق على ارتفاعات منخفضة.

أما المغرب، فلم يقف مكتوف الأيدي أمام هذا التوسع العسكري، بل عزز بدوره قدراته الدفاعية وفق خيارات تقنية مختلفة. فقد أخطرت الولايات المتحدة بإمكانية بيع المغرب ما يصل إلى 600 صاروخ “FIM-92K Stinger” بقيمة تقديرية تبلغ 825 مليون دولار، كما عززت المملكة دفاعها الجوي بمنظومة “Barak MX” الإسرائيلية متوسطة المدى، ضمن استراتيجية تقوم على تنويع الشركاء ومصادر التكنولوجيا العسكرية.

وفي المجال الجوي، يواصل المغرب تحديث أسطوله من مقاتلات “F-16″، من خلال إدخال 25 مقاتلة من طراز “F-16 Block 72” وتحديث مقاتلات “F-16 Block 52” الموجودة في الخدمة، إلى جانب تعزيز قدراته الصاروخية. كما أجازت الولايات المتحدة إمكانية بيع المغرب ما يصل إلى 30 صاروخاً جو-جو من طراز “AIM-120C-8 AMRAAM”، بما يعزز القدرات المرتبطة بمقاتلاته الحديثة.

وتظهر المقارنة بين البلدين أن الجزائر تنفق أموالاً أكبر بكثير على الدفاع، لكنها في الوقت نفسه تواصل الاعتماد بدرجة كبيرة على منظومات روسية وصينية، بينما يعتمد المغرب على مزيج متنوع من الأنظمة الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية. ولا يمكن، بطبيعة الحال، اختزال القوة العسكرية في حجم الميزانية وحده، لأن الجاهزية والتدريب والتكامل بين الأنظمة ونوعية التكنولوجيا والشراكات الاستراتيجية عوامل تؤثر أيضاً في القدرات الفعلية.

وتتميز منظومة “HQ-17” بكونها امتداداً صينياً لعائلة “Tor”، بعدما استفادت بكين من خبرتها في تشغيل المنظومة الروسية قبل تطوير نسخها الخاصة. وتجمع المنظومة على مركبة واحدة أجهزة الاستشعار والرادار وأنظمة التتبع والإطلاق، بما يسمح لها بمرافقة القوات البرية وحمايتها من تهديدات جوية منخفضة الارتفاع، مع إمكانية دمجها ضمن شبكة دفاع جوي أوسع.

وبحسب المعلومات المتاحة حول النسخة التصديرية “HQ-17AE”، يمكن للمركبة حمل ثمانية صواريخ وتوجيه أربعة منها في الوقت نفسه ضد أربعة أهداف مختلفة، بينما تختلف الأرقام المنشورة بشأن مدى الاعتراض والارتفاع العملياتي بحسب النسخة والمصدر. ولذلك، لا يمكن إسناد جميع هذه المواصفات تلقائياً إلى المركبات التي ظهرت في الصور المتداولة، قبل تحديد النسخة التي قد تكون الجزائر قد حصلت عليها.

وتأتي هذه التطورات في سياق سباق تسلح إقليمي تواصل خلال السنوات الأخيرة، حيث رفعت الجزائر إنفاقها الدفاعي إلى مستويات ضخمة، واستثمرت في منصات روسية متطورة ووسعت حضور الصين في مجالات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والأنظمة غير المأهولة. كما ظهرت تقارير حول وصول مقاتلات “Su-57” إلى الجزائر، وإن كانت تفاصيل هذه التقارير تحتاج إلى تأكيد كامل من مصادر رسمية.

في المقابل، اختار المغرب تطوير قدراته من خلال شبكة واسعة من الشراكات العسكرية، تجمع الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا وموردين آخرين، مع التركيز على تحديث الطائرات الموجودة وإدخال أنظمة دفاع جوي وصاروخي حديثة. ويعني هذا أن الرباط لا تدخل سباق التسلح بمنطق مضاعفة الإنفاق فقط، بل عبر التركيز على التكنولوجيا والتكامل وتعدد مصادر المعدات.

وبينما تواصل الجزائر تخصيص عشرات المليارات من الدولارات سنوياً لقطاع الدفاع، يظل المغرب أمام واقع إقليمي يفرض عليه مواصلة تحديث قدراته وحماية مصالحه الاستراتيجية. فالأرقام تكشف أن ميزانية الدفاع الجزائرية تفوق نظيرتها المغربية بأكثر من ثلاثة أضعاف، لكن اختلاف العقيدة التسليحية ومصادر المعدات وطبيعة الشراكات يجعل المقارنة أكثر تعقيداً من مجرد وضع ميزان مالي بين البلدين.

أما منظومة “HQ-17” نفسها، فلا تزال في خانة الاقتناء المحتمل، إذ لم تعلن الجزائر رسمياً عن الصفقة، ولم يُكشف عن عدد المنظومات أو البطاريات التي قد تكون موجهة إليها. وفي انتظار التأكيد الرسمي، تبقى الصور المتداولة مؤشراً يحتاج إلى مزيد من الأدلة، لكنها في كل الأحوال تعيد تسليط الضوء على استمرار سباق التسلح في المنطقة، وعلى حجم الأموال التي تواصل الجزائر ضخها في تحديث ترسانتها العسكرية، مقابل مواصلة المغرب بناء قدراته وفق استراتيجية مختلفة وأكثر تنوعاً في مصادر التسليح.

30/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts