قرر القصر الإسباني أن يفتح من جديد دفتر سبتة ومليلية، لكن هذه المرة وسط ضجيج سياسي لا يشبه هدوء الزيارات الملكية السابقة. ففي 13 و14 أكتوبر، سيصل الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى الثغرين المحتلين، مباشرة بعد العيد الوطني الإسباني، في زيارة تبدو في ظاهرها بروتوكولية، لكنها تأتي في سياق سياسي شديد الحساسية، حيث لم تستطع الأعلام والمواكب والاحتفالات أن تخفي سؤالاً ظل قائماً لعقود: هل تكفي زيارة ملكية لإسكات الجغرافيا وإغلاق ملف لم تغلقه السياسة؟
بعد انتظار دام نحو عقدين، قررت المؤسسة الملكية الإسبانية أخيراً أن تتذكر أن لمدينتي سبتة ومليلية موقعاً على الخريطة، وأن شوارعهما يمكن أن تستقبلا زيارة ملكية من مدريد. فقد أعلن قصر زارزويلا أن الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا سيحلان بالثغرين المحتلين يومي 13 و14 أكتوبر، أي مباشرة بعد احتفال إسبانيا بعيدها الوطني في 12 أكتوبر.
وتأتي الزيارة بعد نحو 20 عاماً من آخر جولة ملكية إسبانية في المدينتين، عندما حل خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا بهما سنة 2007. ومنذ ذلك التاريخ، ظل العرش الإسباني بعيداً عن شوارع سبتة ومليلية، وكأن عقدين كاملين لم يكونا كافيين لاتخاذ قرار بزيارة مدينتين تصر مدريد، في كل مناسبة تقريباً، على أنهما جزء لا يتجزأ من أراضيها.
والمفارقة أن مدريد اختارت هذه المرة أن تضع الزيارة مباشرة بعد احتفالها بعيدها الوطني، وكأن الاحتفال لا يكتمل إلا بإرسال الموكب الملكي جنوباً، إلى مدينتين مغربيتين محتلتين، لإعادة تلميع صورة الحضور الإسباني هناك. وهكذا تتحول روزنامة البروتوكول إلى رسالة سياسية، حتى وإن حاولت العناوين الرسمية تقديمها في قالب زيارة عادية.
وحاول المصدر الإسباني ربط الزيارة بالأزمة التي شهدتها سبتة يوم 30 يوليوز، متحدثاً عن دخول نحو 80 ألف مهاجر غير نظامي، ومشيراً إلى أن محللين إسباناً اعتبروا ما جرى شكلاً من أشكال “الحرب الهجينة” المنسوبة إلى المغرب. وهي قراءة سياسية وأمنية إسبانية تندرج ضمن السجال الذي أعقب الأزمة، وتبقى جزءاً من رواية المصدر الإسباني، في وقت ظلت فيه الرباط ومدريد أمام ملفات شديدة الحساسية تتجاوز بكثير قضية الهجرة.
وفي خضم تلك الأزمة، برزت رغبة الملك فيليبي السادس في زيارة سبتة ومليلية، قبل أن يؤكد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أن الزيارة ستتم عندما تسمح الظروف بذلك. ويبدو أن الظروف، وفق الحسابات الإسبانية، أصبحت الآن مناسبة بما يكفي لفتح أبواب القصر الملكي نحو الثغرين، بعد أن ظل السؤال معلّقاً كل هذه السنوات.
لكن الزيارة ليست مجرد جولة بروتوكولية عابرة. فالملك الإسباني هو أيضاً رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ولذلك فإن نزوله إلى شوارع سبتة ومليلية يحمل، بحكم موقعه الدستوري، بعداً سياسياً ورمزياً يتجاوز الصور الرسمية والاستقبالات التقليدية. وبعبارة أخرى، لن تكون الكاميرات وحدها حاضرة؛ فالرسائل السياسية ستكون في الصفوف الأمامية أيضاً.
وتكشف روزنامة الزيارة نفسها عن حساسية المشهد. فبعد احتفال 12 أكتوبر، سيشد الملك والملكة الرحال إلى المدينتين يومي 13 و14 أكتوبر، في محاولة لإعادة تثبيت الحضور الملكي الإسباني في موقع ظلت مدريد حريصة على تقديمه باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أراضيها. وكأن الحضور الذي يحتاج إلى كل هذا الاستنفار البروتوكولي بعد عقدين من الغياب يحتاج، بدوره، إلى جرعة إضافية من الصور الملكية لإثبات حضوره.
غير أن التاريخ يضع أمام هذه الزيارة مرآة لا يمكن تجاهلها. فقد سبق لألفونسو الثالث عشر أن زار سبتة ومليلية سنة 1927، بعد حرب الريف، ثم جاء خوان كارلوس الأول سنة 2007، قبل أن يأتي الدور الآن على فيليبي السادس. أي أن ثلاث زيارات ملكية فقط تفصل بينها نحو قرن، وهو إيقاع لافت بالنسبة إلى دولة تقول إن المدينتين جزء من ترابها الوطني. فالملك، في هذه الحالة، لا يبدو مستعجلاً كثيراً على زيارة “جزء من بلاده”.
والأكثر دلالة أن زيارة 2007 لم تمر آنذاك مرور الكرام، إذ قوبلت من الجانب المغربي بموقف رافض، في سياق تمسك الرباط بموقفها من وضعية سبتة ومليلية. واليوم يعود الملك الإسباني إلى المشهد نفسه، لكن في مناخ إقليمي مختلف، وبعد سلسلة من التطورات التي أعادت الثغرين إلى واجهة التوتر السياسي والإعلامي بين الرباط ومدريد.
أما البرنامج التفصيلي للزيارة، فلم يكشف عنه قصر زارزويلا بعد. لكن مجرد الإعلان عن الموعد يكفي لإعادة فتح ملف سبتة ومليلية، وإعادة طرح السؤال القديم نفسه: لماذا تحتاج إسبانيا، التي تؤكد باستمرار أن وجودها في المدينتين أمر محسوم، إلى انتظار قرابة عشرين عاماً حتى يطأ ملكها شوارعهما من جديد؟ وهل تحتاج السيادة، في عرف البروتوكول الإسباني، إلى زيارة ملكية كل عقدين حتى يتم تذكير الجميع بها؟
في انتظار الجواب، ستصل المواكب الملكية يومي 13 و14 أكتوبر، وسط كاميرات كثيرة ورسائل سياسية أكثر. وستعود صور الملك والملكة إلى الواجهة في الثغرين المحتلين، في زيارة تبدو مدريد حريصة على تقديمها باعتبارها تأكيداً للسيادة الإسبانية، بينما ستقرأها الرباط ضمن ملف أوسع لم يُغلق بعد.
وبينما تستعد القصور الإسبانية للبروتوكول والأعلام والمواكب، تبقى الجغرافيا أكثر عناداً من كل المراسم: سبتة ومليلية تقعان على الساحل المغربي، ولا تفصل بينهما وبين إسبانيا سوى مياه المتوسط ومضيق جبل طارق، فيما يظل بين الرباط ومدريد ملف سياسي عمره عقود، لم تستطع الزيارات الملكية ولا الاحتفالات الوطنية ولا المراسم العسكرية أن تطوي صفحته.
وقد تستطيع المواكب الملكية أن تعبر الشوارع، وقد تملأ الكاميرات المشهد، وقد تتكاثر الأعلام على جانبي الطريق، لكن كل ذلك لا يغير حقيقة واحدة: الزيارة قد تعيد الصور إلى الواجهة، لكنها لا تستطيع أن تعيد رسم الخريطة.
01/10/2026