kawalisrif@hotmail.com

التنين” الصيني يقترب من أوروبا عبر المغرب … بكين تراهن على المملكة وبروكسيل وواشنطن تراقبان

التنين” الصيني يقترب من أوروبا عبر المغرب … بكين تراهن على المملكة وبروكسيل وواشنطن تراقبان

يتسارع الحضور الاقتصادي الصيني في المغرب بوتيرة لافتة، في وقت تتحول فيه المملكة تدريجيا إلى إحدى أبرز المنصات الصناعية واللوجستية على أبواب أوروبا وإفريقيا. وبينما تدفع الحرب التجارية بين بكين وواشنطن، وتشدد الاتحاد الأوروبي تجاه عدد من المنتجات الصينية، الشركات الصينية إلى البحث عن قواعد إنتاج جديدة خارج الصين، يبرز المغرب كوجهة تجمع بين الموقع الجغرافي، والبنية التحتية، والاستقرار، والولوج إلى أسواق واسعة.

وتجاوزت قيمة المشاريع الصينية المعلنة في قطاعات البطاريات ومكونات السيارات الكهربائية بالمغرب 10 مليارات دولار، مع تمركز جزء مهم منها حول مدينة طنجة تيك ومشروع مصنع “غوشن هاي-تك” العملاق للبطاريات في القنيطرة. ولا يتعلق الأمر بمجرد استثمارات صناعية جديدة، بل بمسار يمكن أن يضع المغرب في قلب إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية في قطاعات السيارات الكهربائية والطاقة والصناعات المتقدمة.

ومن المنظور الصيني، لا يمثل المغرب مجرد سوق للاستثمار، بل منصة صناعية ولوجستية يمكن من خلالها الوصول إلى أوروبا وإفريقيا. فالموقع الجغرافي للمملكة، إلى جانب ميناءي طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، وشبكة البنية التحتية الصناعية واللوجستية، يمنح الشركات الصينية إمكانية الاقتراب من الأسواق الأوروبية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من موقع المغرب كبوابة نحو القارة الإفريقية.

وتستند جاذبية المغرب إلى مجموعة من العوامل، أبرزها الاستقرار السياسي والمؤسساتي، واستمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتطور البنية التحتية، وشبكة اتفاقيات التجارة الحرة، فضلا عن توفر يد عاملة تنافسية ومؤهلة. وقد ساهمت هذه العناصر في انتقال المملكة تدريجيا من قاعدة للصناعات التقليدية والتجميع إلى مركز إقليمي يستقطب صناعات ذات قيمة مضافة أعلى.

وتكشف أرقام الاستثمارات عن سرعة الصعود الصيني. فقد ارتفعت التدفقات الاستثمارية الصينية في المغرب من حوالي 406 ملايين درهم سنة 2015 إلى أكثر من 2.08 مليار درهم سنة 2024، لتقترب من مستوى الاستثمارات الألمانية التي بلغت نحو 2.47 مليار درهم خلال الفترة نفسها، رغم أن ألمانيا راكمت حضورا صناعيا واستثماريا في المملكة على مدى عقود.

وهكذا، تمكنت الصين خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا من الاقتراب من مستويات استثمارية حققتها قوى اقتصادية تقليدية بعد سنوات طويلة، في مؤشر على التحول الذي تعرفه خريطة الاستثمار الأجنبي بالمغرب.

غير أن هذا الصعود لا يمر دون مراقبة أوروبية وأمريكية. ففي بروكسيل، تبرز مخاوف مرتبطة بإمكانية استخدام المغرب كمنصة لإعادة شحن أو إعادة تصدير المنتجات الصينية نحو السوق الأوروبية، خصوصا في ظل الامتيازات التي توفرها اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب للسلع التي تستوفي قواعد المنشأ المغربية.

وأثار مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش مسألة إعادة الشحن، مؤكدا أن بروكسيل ستدقق في مدى احترام قواعد المنشأ قبل السماح للسلع بالاستفادة من شروط الولوج إلى السوق الأوروبية الموحدة.

وتكتسب هذه المسألة حساسية أكبر مع تصاعد الرسوم الأوروبية على بعض السيارات الكهربائية والبطاريات الصينية، وتزايد توجه الشركات الصينية إلى نقل جزء من عملياتها الصناعية إلى الخارج لتقليص آثار القيود التجارية.

وفي الجانب الأمريكي، تظهر مخاوف مماثلة، وإن كانت مرتبطة أساسا بالسوق الأمريكية وقواعد المنشأ والرسوم المفروضة على المنتجات الصينية. وتستخدم بعض الدوائر السياسية والاقتصادية الأمريكية تعبير “المكسيكة” للإشارة إلى احتمال تحول دول ثالثة إلى منصات لإعادة توجيه المكونات والمنتجات الصينية نحو السوق الأمريكية.

ويرى الخبير المغربي جهاد آيت سوسان أن التحذيرات الأمريكية ينبغي أخذها بجدية، ولكن دون تضخيمها، موضحا أن الرسالة الأساسية لواشنطن تتمثل في ضرورة التأكد من أن المنتجات الصينية التي تصل إلى السوق الأمريكية عبر المغرب تستوفي فعليا قواعد المنشأ.

وتكمن إحدى نقاط الحساسية في إمكانية استخدام دول ثالثة وموانئها ومنشآتها الصناعية لإجراء عمليات تجميع أو تصنيع محدودة على منتجات صينية قبل إعادة تصديرها إلى أسواق أخرى. غير أن ذلك لا يعني، بالضرورة، أن الاستثمارات الصينية في المغرب مستهدفة في حد ذاتها، بقدر ما يعكس تشدد واشنطن تجاه محاولات الالتفاف على الرسوم والقيود التجارية المفروضة على المنتجات القادمة من الصين.

وتبدو هذه المعادلة أكثر تعقيدا بالنسبة إلى المغرب، الذي راكم في الوقت نفسه شراكات اقتصادية واستراتيجية عميقة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما يفتح أبوابه أمام الاستثمارات الصينية واليابانية والخليجية وغيرها. لذلك، فإن توسع الاستثمارات الصينية لا يعني بالضرورة تحولا في الاصطفافات الاستراتيجية للمملكة، بقدر ما يعكس سياسة تقوم على تنويع الشركاء الاقتصاديين.

ويؤكد آيت سوسان أن على المغرب التمييز بين الاستثمار الصيني في المملكة وبين الاصطفاف السياسي مع الصين، معتبرا أن الرباط لا تنظر إلى الصين باعتبارها بديلا عن واشنطن أو بروكسيل، وإنما كشريك اقتصادي إضافي يمكن أن يساهم في تسريع التصنيع وتنويع الشراكات.

وتمنح هذه السياسة المغرب هامشا للمناورة الاقتصادية، خصوصا أن المملكة ترتبط باتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وشراكة اقتصادية وتجارية واسعة مع الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه تستطيع تقديم نفسها للصين كمنصة صناعية للوصول إلى أوروبا وإفريقيا.

وفي قلب هذه المعادلة تقف الموانئ المغربية، وفي مقدمتها طنجة المتوسط، باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية التي تجعل المملكة جذابة للصناعة العالمية. فالمغرب لا يعرض على المستثمر الصيني مجرد سوق محلية، بل منظومة متكاملة تجمع الموانئ، والمناطق الصناعية، والطرق والسكك الحديدية، والطاقة المتجددة، والقرب من أوروبا، والولوج إلى الأسواق الإفريقية.

كما أن صعود مشاريع صناعية ضخمة في مجال البطاريات والسيارات الكهربائية يرفع من مستوى الرهان، لأن الأمر يتعلق بقطاعات ترتبط مباشرة بمستقبل الصناعة العالمية وسلاسل الإمداد الجديدة.

ويرى الخبير آيت سوسان أن استقبال استثمارات صينية بهذا الحجم يمكن أن يوفر للمغرب التمويل والتكنولوجيا والخبرة الصناعية وفرص العمل، ويساعد المملكة على الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى إنتاج مكونات ذات قيمة مضافة أعلى، شرط أن يكون الاستثمار مصحوبا بإنتاج حقيقي داخل المملكة.

وتتمثل إحدى الضمانات الأساسية، وفق هذا الطرح، في تعزيز الشفافية واحترام قواعد المنشأ وإثبات وجود قيمة مضافة وإنتاج فعلي داخل المغرب، وليس مجرد إعادة تصدير منتجات مصنعة في الصين.

وبذلك، تتحول قواعد المنشأ من مجرد مسألة تقنية مرتبطة بالجمارك إلى عنصر مركزي في مستقبل الاستثمارات الصينية بالمغرب. فكلما ارتفعت القيمة المضافة التي يتم خلقها داخل المملكة، أصبح من الصعب اختزال الحضور الصيني في مجرد عمليات عبور أو إعادة تصدير.

وتضع هذه التطورات المغرب أمام معادلة دقيقة: جذب الاستثمارات الصينية دون تحويل المملكة إلى ساحة مواجهة تجارية بين بكين وواشنطن وبروكسيل، والحفاظ في الوقت نفسه على الشراكات الاستراتيجية القائمة مع الغرب.

لكن قوة المغرب في هذه المعادلة لا تكمن فقط في موقعه الجغرافي، بل في قدرته على تحويل هذا الموقع إلى قيمة اقتصادية فعلية. فالموانئ الاستراتيجية، وعلى رأسها طنجة المتوسط، إلى جانب المشاريع الصناعية الكبرى والطاقة المتجددة والبنية اللوجستية، تجعل المملكة قادرة على تقديم نفسها كحلقة وصل بين ثلاث دوائر اقتصادية كبرى: أوروبا وإفريقيا وآسيا.

وفي وقت تعيد فيه الحرب التجارية تشكيل خريطة الصناعة العالمية، يبدو أن “التنين” الصيني لا يطرق أبواب المغرب بحثا عن سوق جديدة فقط، بل عن موقع صناعي قريب من أوروبا. وفي المقابل، يجد المغرب نفسه أمام فرصة لتحويل تنافس القوى الكبرى إلى رافعة للتصنيع ونقل التكنولوجيا وخلق القيمة داخل المملكة.

والفارق بين أن يكون المغرب مجرد ممر للمنتجات الصينية، وبين أن يصبح قاعدة صناعية تنتج داخل أراضيه وتصدر بقيمة مضافة مغربية، قد يكون هو العامل الحاسم في المرحلة المقبلة. فإذا نجحت المملكة في تثبيت هذه المعادلة، فإنها لن تكون مجرد نقطة عبور في صراع اقتصادي عالمي، بل جسرا صناعيا ولوجستيا تتقاطع فوقه مصالح الصين وأوروبا والولايات المتحدة، بما يعزز موقع المغرب داخل خريطة التجارة والصناعة الدولية.

01/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts