kawalisrif@hotmail.com

رأي :     دلالات تعيين الملك محمد السادس لرئيسة الحكومة في ضوء الشرع والدستور

رأي : دلالات تعيين الملك محمد السادس لرئيسة الحكومة في ضوء الشرع والدستور

ذ : محمد المهدي أقرابش
أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا

وقف محللون عند تعيين الملك للسيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية، باعتبارها أول امرأة ترأس الحكومة المغربية، وهي حقيقة لا يمكن تجاهلها، لكن لا ينبغي أن نظهر هذا التعيين وكأنه فريد من نوعه، أو نحمله أكثر مما يحتمل، ونغفل كل النساء اللواتي تقلدن، فيما سبق، مناصب عليا في الدولة المغربية، كالسيدة زليخة الناصري، رحمها الله، التي عُيّنت مستشارة للملك، والسيدة زينب العدوي، رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، وما تمثله هذه المؤسسة من سلطة رقابية وقضائية رفيعة المستوى، فهي التي تراقب وتدقق في التدبير المالي بمختلف قطاعات الدولة.

وكذلك السيدة رجاء ناجي المكاوي، التي كانت أول امرأة ألقت درساً حسَنياً في رمضان، وهي عضوة في المجلس العلمي الأعلى، وقد عُيّنت سفيرة في حاضرة الفاتيكان، وتقلدت مناصب عديدة، إلى جانب سيدات أخريات تم تعيينهن في مختلف القطاعات.

وصلت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري إلى منصب رئيسة الحكومة بكفاءتها، وبفضل تبوئها للمنصب الأول في حزبها، الأصالة والمعاصرة، الذي تبوأ الصدارة في الانتخابات، بغض النظر عن واقعة طنجة؛ ولا شك في أن القضاء كفيل بترتيب الإجراءات والجزاءات القانونية ضد الجرائم والخروقات والتجاوزات التي قد يكون ارتكبها الظنينون والمتهمون.

لقد حرص جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، على احترام الفصل 47 من دستور 2011، فعيّن المسؤول الأول عن الحزب الذي تصدر المشهد الانتخابي، كما كان عليه الحال في عهد السيد عبد الإله بنكيران، ثم السيد سعد الدين العثماني في الولاية الثانية، بعد إخفاق السيد عبد الإله بنكيران في تشكيل حكومته، وكذلك السيد عزيز أخنوش، الذي تقلد مسؤولية رئاسة الحكومة بعد أن تصدر حزبه المشهد الانتخابي.

صار تعيين المسؤول الأول عن الحزب المتصدر في الانتخابات عرفاً متبعاً عند المؤسسة الملكية. وقد اتفق أن كانت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري المسؤولة الأولى في قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، وعمدة مدينة مراكش، ووزيرة، فاستحقت مكانتها.

فلا اعتبار إذن بالجنس في التعيين، وإنما ينبغي التأكيد على ضرورة مشاركة المرأة والشباب الأكفاء على مستوى الأحزاب والجمعيات والمؤسسات العمومية والمؤسسات الخاصة.

أما من الناحية الشرعية الدينية، فإن تعيينها من طرف أمير المؤمنين ليس به بأس، لأنها ولاية عامة مرتبطة بالدستور والقوانين. ولنا مثلٌ في بلقيس، ملكة سبأ، التي أقرّها القرآن الكريم، وكذلك الشفاء بنت عبد الله العدوية القرشية، رضي الله عنها، التي وُليت الحسبة في سوق المدينة في عهد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وحفصة، رضي الله عنها، حين حُفظت عندها النسخة الأولى والوحيدة للقرآن الكريم بعد جمعه في عهد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه.

وأما الجمهور الذين رأوا بالمنع، والأحناف الذين رأوا بجواز توليها مع استثناء الولاية العامة، فهو اجتهاد معتبر، وقد تجاوزه بعض علماء الشرع، وإن كانوا قلة، باجتهاد مخالف، كابن جرير الطبري الذي رأى توليتها مطلقاً، وابن حزم فيما دون الإمامة العظمى، وكذلك من المعاصرين ابن عاشور وعلال الفاسي، الذي دافع عن تولية المرأة للمناصب في القضاء والإدارة والوزارة.

ويمكن الأخذ بمراعاة الخلاف كأصل مالكي مهم في هذا الباب.

وإذن، فلا حرج في ذلك، خاصة في زماننا هذا، الذي مُكّن فيه للمرأة في المؤسسات الوطنية والدولية، مراعاةً لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية.

درست المرأة المغربية إلى جانب الرجل المغربي، فاستحقت أن تتقلد المناصب والمسؤوليات، ولكل مجتهد نصيب.

أما من استدل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، لمنع المرأة من تقلد المناصب العليا، فهي واقعة خاصة بالفرس حين نصبوا ابنة كسرى ملكة عليهم؛ والعبرة هنا بخصوص السبب لا بعموم اللفظ، وهو استثناء لا ينفي قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب».

ويرجح هذا القول عرض الحديث على كتاب الله تعالى، وبعض الوقائع التي حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم. والله أعلم.

ثم إن القرار في زماننا هذا تتخذه المؤسسات التي تعج بوزراء ومستشارين وموظفين يلتزمون الدستور والقوانين والأعراف المهنية، وإن كان المعيّن رجلاً، فإنه لا يأخذ قراره منفرداً، وإنما يستشير معاونيه ومؤسسات قبل أن يقطع بأمر. وعليه، فلا حاجة للمراء والجدل والاختلاف حول موضوع تولية المرأة.

لقد أظهر الملك محمد السادس، حفظه الله، عزمه على النهوض بشأن المرأة منذ أن تربع على عرش أسلافه الميامين، إنصافاً لها، وتحقيقاً لمصلحة شعبه ووطنه.

وإن المسؤولية أمانة ثقيلة، أعان الله من تحملها على أن يؤديها حق أدائها. وعلى الله قصد السبيل.

كلّل الله جهود السيدة الرئيسة وأعضاء حكومتها بالنجاح والتوفيق في قطع دابر فساد المفسدين، وخدمة مصالح المواطنات والمواطنين.

01/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts