تواصل جريدة «كواليس الريف» تحقيقها الاستقصائي حول ملف مشروع “غار البارود” بمدينة وجدة، لصاحبه المقاول صلاح الدين المومني، في ظل استمرار النزاع القضائي المرتبط به، وظهور وثيقة تثير عدداً من علامات الاستفهام حول ظروف إعدادها وتوقيعها والجهات التي يُفترض أنها أبرمتها.
وتتعلق الوثيقة باتفاقية يُقال إنها أبرمت بين شركة «Batiluxor» وعدد من القطاعات الحكومية، من بينها وزارة الإسكان والتعمير وسياسة المدينة ووزارة المالية، حيث يظهر في الوثيقة تاجر الحديد الميلود برمضان، بصفته مسيراً للشركة خلال تلك الفترة.
غير أن تاريخ الاتفاقية يشكل أولى نقاط الاستفهام التي توقفت عندها الجريدة، إذ تحمل الوثيقة تاريخ 20 أبريل 2020، وهي فترة كانت البلاد خلالها تعيش على وقع إجراءات الحجر الصحي وحالة الطوارئ الصحية بسبب جائحة كورونا، مع تعليق أو تقليص واسع لعمل الإدارات والمصالح العمومية، باستثناء القطاعات والمرافق التي اعتبرت ذات أولوية وحيوية.
وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف تمت عملية إبرام هذه الاتفاقية وتوقيعها في ذلك التاريخ؟ وما هي المساطر التي تم اعتمادها؟ وهل كانت المصالح الإدارية المعنية تشتغل في الظروف العادية التي تسمح بإبرام مثل هذه الاتفاقيات، أم أن الأمر تم وفق ترتيبات استثنائية منصوص عليها قانوناً؟
الأسئلة لا تتوقف عند التاريخ، إذ تشير المعطيات التي حصلت عليها “كواليس الريف” إلى أن الاتفاقية استُعملت لاحقاً ضمن الوثائق المرتبطة بمشروع “غار البارود”، وهو المشروع الذي تحول في ما بعد إلى موضوع نزاع قضائي بين الأطراف المعنية، فيما ما تزال القضية معروضة أمام القضاء.
والأكثر إثارة في الوثيقة، وفق ما وقفت عليه الجريدة، هو التوقيع المنسوب إلى الميلود برمضان، إذ تكشف مقارنة أولية بين التوقيع الموجود على الاتفاقية وتوقيعات أخرى منسوبة إليه في وثائق تتوفر عليها الجريدة عن وجود اختلافات تستدعي إخضاع الوثيقة للخبرة التقنية المختصة.
هذه المعطيات تطرح سؤالاً واضحاً حول مدى أصالة الوثيقة، وما إذا كانت الاتفاقية أصلية وصادرة بالفعل عن الجهات المذكورة فيها، أم أن الأمر يتعلق بوثيقة استُعملت لاحقاً لإضفاء طابع إداري وقانوني على المشروع.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة بالنظر إلى أن المشروع يرتبط بجمعية سكنية لرجال التعليم، والتي دخلت في نزاع قضائي بشأن المشروع، فيما تشير المعطيات المتوفرة إلى اتخاذ إجراءات للحجز التحفظي على خلفية النزاع.
وتفتح هذه الوقائع بدورها باباً آخر من التساؤلات حول الصفة التي قدم بها المشروع، وما إذا كان قد استفاد من الامتيازات أو التدابير المرتبطة بالسكن الاجتماعي، ومدى احترام المساطر القانونية والإدارية والضريبية المفروضة في هذا النوع من المشاريع.
كما تطرح الوثيقة المزورة سؤالاً أكثر حساسية: هل كانت الاتفاقية، جزءاً من مسار إداري طبيعي لإنجاز المشروع؟ أم أنها استُعملت لاحقاً كوثيقة لتدعيم الوضعية القانونية للمشروع أمام الإدارات أو الأطراف المتعاقدة؟
الوثيقة وفق البحث الذي قامت به الجريدة، تبين أنها غير صحيحة ولم تصدر عن الجهات الحكومية المنسوبة إليها .
لهذا السبب، تبدو الكرة اليوم في ملعب الجهات المختصة، وفي مقدمتها النيابة العامة، للتحقق من أصل الوثيقة ومصدرها وتاريخها، والاستماع إلى الجهات التي يفترض أنها شاركت في إعدادها أو توقيعها، فضلاً عن إخضاع التوقيعات للخبرة التقنية .
كما يبقى من الضروري، تحديد الظروف الإدارية والقانونية التي أحاطت بإبرامها يوم 20 أبريل 2020، والتأكد من احترام المساطر الجاري بها العمل خلال فترة الطوارئ الصحية.
ملف “غار البارود” لا يبدو، وفق الوثائق والمعطيات التي توصلت إليها “كواليس الريف”، مجرد نزاع عقاري عادي، بل يطرح أسئلة متشابكة حول وثيقة حكومية مفترضة، وتاريخ توقيعها، وهوية الموقعين عليها، والصفة القانونية للمشروع، والاستفادة المحتملة من الامتيازات المرتبطة بالسكن الاجتماعي.
وفي انتظار ما ستكشفه الخبرات والوثائق الرسمية وما قد تقرره المحكمة في الملف المعروض عليها، تؤكد «كواليس الريف» أن ما ورد أعلاه يتعلق بمعطيات ووثائق محل تدقيق، وأن تحديد ما إذا كانت الاتفاقية صحيحة أو مزورة، وما إذا كانت المساطر القانونية قد احترمت، يبقى من اختصاص الجهات القضائية والإدارية والخبراء المختصين.
ويبقى السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه: من وقّع فعلياً اتفاقية غار البارود في 20 أبريل 2020، وتحت أي مسطرة إدارية، وهل كانت الوثيقة التي بُني عليها جزء من المشروع صادرة فعلاً عن الوزارات المعنية؟
