kawalisrif@hotmail.com

مليلية وسبتة في قلب مأزق الناتو … معاهدة 1949 تفتح ثغرة خطيرة وتضع إسبانيا أمام السؤال الأصعب

مليلية وسبتة في قلب مأزق الناتو … معاهدة 1949 تفتح ثغرة خطيرة وتضع إسبانيا أمام السؤال الأصعب

في تطور يعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين إسبانيا والمغرب، كشفت تصريحات ومواقف حديثة داخل حلف شمال الأطلسي عن مفارقة لافتة تتمثل في أن مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين لا تردان بشكل صريح ضمن النطاق الجغرافي المحدد في المادة 6 من معاهدة الحلف، خلافاً لجزر تقع شمال مدار السرطان، مثل جزر الكناري، التي تنسجم جغرافياً مع الصياغة الواردة في المعاهدة.

وتضع هذه الحقيقة مدريد أمام إشكالية قانونية وسياسية عمرها عقود، إذ انضمت إسبانيا إلى الناتو سنة 1982، بينما تعود المعاهدة المؤسسة للحلف إلى سنة 1949، أي إلى مرحلة كانت فيها خريطة الأمن الأطلسي مختلفة تماماً، ولم تكن إسبانيا أصلاً عضواً في الحلف.

وبحسب المادة 5 من معاهدة شمال الأطلسي، فإن الهجوم المسلح على طرف أو أكثر من أطراف الحلف في أوروبا أو أمريكا الشمالية يُعد هجوماً على الجميع، فيما تحدد المادة 6 نطاق تطبيق هذا الالتزام بصورة أكثر دقة، فتشير إلى أراضي الأطراف في أوروبا وأمريكا الشمالية، وإلى أراضي تركيا، وإلى جزر تقع تحت ولاية أحد الأطراف في منطقة شمال الأطلسي شمال مدار السرطان، فضلاً عن حالات أخرى محددة في النص.

وهنا تظهر المفارقة التي تعيد الجدل إلى الواجهة في مدريد: جزر الكناري تقع شمال مدار السرطان، وبالتالي فإن وضعها الجغرافي ينسجم مع الصياغة الواردة في المادة 6، بينما تقع سبتة ومليلية في القارة الإفريقية، ولا تردان بالاسم ضمن هذا التحديد الجغرافي، وهو ما يجعل مدى انطباق الضمانات الواردة في المادة 5 عليهما محل نقاش قانوني وسياسي.

وبعبارة أكثر مباشرة، فإن إسبانيا التي تراهن منذ عقود على عضويتها في الحلف الأطلسي لتوفير مظلة ردع عسكرية وسياسية، تجد نفسها أمام منطقة رمادية لم تُحسم بصورة صريحة في نص المعاهدة. فمعاهدة واشنطن لم تتضمن عند صياغتها سنة 1949 نصاً خاصاً بمدينتي سبتة ومليلية، كما أن انضمام إسبانيا إلى الحلف سنة 1982 لم يؤد إلى تعديل المادة 6 لتسميتهما صراحة.

وتؤكد وثائق الناتو أن المادة 6 تضع حدوداً جغرافية لنطاق المادة 5، فيما يقوم مبدأ الدفاع الجماعي على التضامن بين الحلفاء. وفي الوقت نفسه، طور الحلف خلال السنوات الأخيرة مقاربته للتهديدات الهجينة، مؤكداً أن بعض الهجمات السيبرانية والهجينة الكبيرة يمكن، بحسب ظروفها، أن ترقى إلى مستوى “هجوم مسلح” يخضع للمادة 5.

لكن هذه المقاربة لا تعني أن الناتو أعاد كتابة معاهدة واشنطن أو ألغى الحدود الجغرافية الواردة في المادة 6. فالمسألة تظل مرتبطة بالنص القانوني، وبطبيعة الحدث، وبالتقييم السياسي للدول الأعضاء.

والأهم أن الناتو نفسه يوضح أن تطبيق المادة 5 ليس إجراءً آلياً، وأن تحديد ما إذا كان حدث معين يشكل “هجوماً مسلحاً” يتم على أساس كل حالة على حدة. كما أن المساعدة التي تقدمها الدول الأعضاء لا تفرض بالضرورة شكلاً عسكرياً واحداً، إذ يقرر كل حليف الإجراء الذي يراه ضرورياً للمساهمة في استعادة الأمن.

وهنا تحديداً تكمن المشكلة بالنسبة لإسبانيا، لأن الحديث عن سبتة ومليلية لا يتعلق فقط بسيناريو عسكري تقليدي، بل يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً، من بينها الحرب الهجينة، والأزمات الحدودية، وعمليات زعزعة الاستقرار، واستخدام تدفقات الهجرة ضمن أدوات الضغط السياسي والأمني.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات خافيير كولومينا، الممثل الخاص للأمين العام للناتو لشؤون الجوار الجنوبي، لتعيد تسليط الضوء على هذه المنطقة الرمادية. فقد أكد أن المادة 5 يمكن، من الناحية المفاهيمية، أن تنطبق في سياق حملات حرب هجينة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن تحديد اللحظة التي تتحول فيها حملة من هذا النوع إلى هجوم يستوجب تطبيق المادة يظل أمراً معقداً.

والأكثر إثارة أن كولومينا قال إنه لا يساوره شك في أن الحلفاء سيردون إذا قررت إسبانيا اللجوء إلى المادة 5 على خلفية حادث يقع في سبتة أو مليلية، مبرراً ذلك بكون إسبانيا “حليفاً ملتزماً”. غير أن هذه التصريحات لا تمثل قراراً رسمياً بتفعيل المادة 5، ولا تلغي النقاش المتعلق بالنطاق الجغرافي للمعاهدة.

كما أوضح كولومينا أن قرار اللجوء إلى المادة 5 سيكون سياسياً، وأنه لا توجد استجابة آلية بمجرد إعلان إسبانيا تفعيلها، إذ يبقى الأمر مرتبطاً بقرار مجلس شمال الأطلسي وتقييم الحلفاء لطبيعة الحدث والالتزامات المترتبة عنه.

لكن هذه التصريحات السياسية، مهما بلغت قوتها، لا تلغي حقيقة أن سبتة ومليلية لا تحظيان في نص المادة 6 بالوضوح الجغرافي نفسه الذي تحظى به الأراضي والمناطق المذكورة صراحة في المعاهدة.

وهذا ما يجعل الحديث الإسباني عن “المظلة الأطلسية” أكثر تعقيداً مما قد توحي به الخطابات السياسية. فالمسألة ليست أن الناتو ممنوع من مساعدة إسبانيا، وليست أيضاً أن الحلف أعلن أنه سيتخلى عن المدينتين، وإنما أن درجة اليقين القانوني المسبق بشأن نطاق المادة 5 ليست واحدة بالنسبة إلى جميع الأراضي التي تعتبرها مدريد إسبانية.

وتزداد المفارقة وضوحاً عند مقارنة وضع سبتة ومليلية بوضع جزر الكناري، إذ إن موقع الأخيرة شمال مدار السرطان يجعلها منسجمة مع الفئة الجغرافية المحددة في المادة 6، بينما تقع المدينتان في إفريقيا ولا تردان بالاسم ضمن ذلك التحديد.

المسألة لا تتوقف عند الناتو، فالاتحاد الأوروبي يتوفر بدوره على بند للمساعدة المتبادلة بموجب المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، التي تنص على تقديم المساعدة إلى الدولة العضو التي تتعرض لعدوان مسلح على أراضيها. غير أن هذا البند لا يعني وجود جيش أوروبي سيتحرك بصورة آلية، إذ تبقى طبيعة المساعدة وكيفية تقديمها مرتبطة بقرارات الدول الأعضاء والتزاماتها وقدراتها.

وهكذا تجد مدريد نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً مما توحي به الخطابات السياسية. فهي عضو في حلف عسكري قوي، وتشارك بقواتها وطائراتها وسفنها في عمليات الحلف، لكنها في الوقت ذاته تعتبر سبتة ومليلية جزءاً من أراضيها، في وقت يعود فيه الإطار الجغرافي الأساسي للمعاهدة إلى سنة 1949، قبل أن تصبح إسبانيا نفسها عضواً في المنظمة.

والأكثر دلالة أن النقاش لم يعد افتراضياً بالكامل، بعدما أعادت أزمة سبتة الأخيرة مسألة “الحرب الهجينة” إلى الواجهة. فقد تحدث كولومينا عن صعوبة استبعاد وجود مكون من الحرب الهجينة في الأحداث التي شهدتها المدينة، مؤكداً أن المادة 5 يمكن، من الناحية المفاهيمية، أن تُطرح في سياق حملات هجينة، مع الإقرار بأن تحديد العتبة التي تستوجب تفعيلها يظل معقداً.

ومن منظور مدريد، تبدو المشكلة إذن أشبه ببحث دائم عن ضمانة سياسية لتغطية منطقة قانونية وجغرافية لم تُحسم بتسمية صريحة داخل نص المعاهدة. أما بالنسبة إلى المغرب، فإن هذه الوقائع تعيد التأكيد على أن قضية سبتة ومليلية لا تحظى بالوضوح الذي تحاول الرواية الإسبانية الرسمية تقديمه، وأن الملف يحمل أبعاداً قانونية وجغرافية وسياسية تتجاوز الخطابات التقليدية.

فإذا كانت مدريد واثقة إلى هذا الحد من أن المدينتين تتمتعان بالحماية الأطلسية الكاملة، فلماذا استمر الجدل حول نطاق المادة 5 كل هذه السنوات؟ ولماذا اضطرت شخصيات بارزة داخل الحلف إلى تقديم تفسيرات سياسية بشأن كيفية تعامل الناتو مع أي طلب إسباني مرتبط بالمدينتين، بدلاً من الاكتفاء بالإحالة إلى نص صريح لا يترك مجالاً للنقاش؟

المفارقة أن إسبانيا تراهن على قوة الناتو لردع أي تهديد محتمل، بينما يكشف نص المعاهدة نفسها أن ملف سبتة ومليلية يحمل هامشاً من الغموض الجغرافي والقانوني لا يمكن تجاهله. وحتى التصريحات الأطلسية التي تسعى إلى طمأنة مدريد لا تغير حقيقة أن المادة 6 لم تتضمن نصاً صريحاً يذكر مدينتين تقعان في شمال إفريقيا.

وفي نهاية المطاف، فإن قوة الردع لا تقوم فقط على ما قد يفعله الحلف عند وقوع الأزمة، بل أيضاً على مدى وضوح الرسالة قبل وقوعها. وإذا كانت مدريد تحتاج إلى تصريحات سياسية من داخل الناتو لتأكيد أن الحلفاء سيردون في حال قررت إسبانيا اللجوء إلى المادة 5 بشأن سبتة ومليلية، فإن ذلك يكشف أن “المظلة الأطلسية” في هذه الحالة أكثر تعقيداً من الصورة التي يقدمها الخطاب السياسي الإسباني.

لقد مرت أكثر من أربعة عقود على انضمام إسبانيا إلى الناتو، لكن سؤال سبتة ومليلية ما زال مرتبطاً بتفاصيل معاهدة تعود إلى سنة 1949. وبينما تحاول مدريد تقديم الأمر باعتباره ضمانة سياسية راسخة، تكشف الوثائق والتصريحات الصادرة عن الحلف نفسه أن هناك فرقاً بين الالتزام السياسي وبين الوضوح القانوني والجغرافي.

وهذه هي المفارقة التي يصعب تجاهلها: كلما حاولت إسبانيا تقديم سبتة ومليلية باعتبارهما قضية محسومة داخل المنظومة الأطلسية، عادت تفاصيل المعاهدة القديمة لتذكرها بأن الجغرافيا لا تخضع للشعارات، وأن ما كتب في واشنطن سنة 1949 ما زال يلقي بظلاله على واحدة من أكثر القضايا حساسية بين المغرب وإسبانيا.

02/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts