بعد سنوات من الجمود، عادت إسبانيا إلى فتح ملف الحدود البحرية مع المغرب من بوابة مجلس الشيوخ، في تحرك سياسي يحمل أكثر من رسالة، خصوصا أن مدريد لم تكتف بالدعوة إلى إعادة تشغيل مفاوضات ترسيم المجالات البحرية، بل أصرت أيضا على إشراك حكومة جزر الكناري في هذا المسار، وكأن مياه الأطلسي تحولت فجأة إلى ملف داخلي إسباني يحتاج إلى تعبئة برلمانية واسعة.
فقد دعمت اللجنة العامة للجماعات المستقلة في مجلس الشيوخ الإسباني مقترحا يدعو الحكومة إلى إعادة تفعيل مجموعة العمل المكلفة بترسيم المجالات البحرية بين المغرب وإسبانيا، مع ضمان حضور حكومة جزر الكناري، في خطوة أعادت القضية إلى الواجهة السياسية، بعدما ظلت المفاوضات تراوح مكانها لسنوات.
المقترح، الذي تقدم به السيناتور خافيير أرماس عن “التجمع الهيرّي المستقل”، حظي بدعم الحزب الشعبي والحزب القومي الباسكي، فيما عارضه الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، قبل إدخال تعديل توافقي مع الحزب الشعبي.
لكن ما يبدو أن بعض الأصوات في مدريد تريد تجاهله هو أن المغرب لم ينتظر البرلمان الإسباني حتى يكتشف أهمية حدوده البحرية.
ففي سنة 2020، أقر المغرب إطارا قانونيا محدثا للمجالات البحرية، من خلال القانونين 37.17 و38.17، اللذين عدلا الإطار القانوني المتعلق بالمياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري. ونص القانون 38.17 على منطقة اقتصادية خالصة تمتد إلى 200 ميل بحري من خطوط الأساس المعتمدة لقياس عرض البحر الإقليمي، وفقا للقانون المغربي والقواعد ذات الصلة في القانون الدولي.
وكان وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج آنذاك، ناصر بوريطة، قد أوضح أن تحيين المنظومة القانونية الوطنية للمجالات البحرية كان ضروريا، مشيرا إلى أن الهدف يتمثل في إتاحة تحديد دقيق للمجالات البحرية الواقعة تحت سيادة المملكة المغربية.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
فبينما تتحرك مدريد اليوم لاستعادة مجموعة العمل البحرية، كان المغرب قد اتخذ منذ سنوات خطوة تشريعية واضحة لتحديث ترسانته القانونية البحرية. أي أن الرباط لم تدخل هذا الملف من فراغ، ولم تنتظر أن تمنحها مدريد “شهادة حضور” في البحر، بل وضعت إطارها القانوني الوطني، ثم تركت مسألة الترسيم النهائي للمفاوضات والقواعد الدولية ذات الصلة.
والأهم أن التشريع المغربي لا يعني، بحد ذاته، أن كل الحدود البحرية مع إسبانيا أصبحت مرسومة نهائيا. فالمناطق البحرية التي تتداخل فيها مطالب الدول تحتاج إلى اتفاقات ثنائية أو إلى آليات التسوية التي يقرها القانون الدولي. وهذا بالضبط ما يجعل دعوة مجلس الشيوخ الإسباني إلى إعادة تشغيل المفاوضات أمرا مختلفا عن محاولة فرض تصور إسباني أحادي الجانب.
ومع ذلك، اختارت الوثيقة الإسبانية لغة “حماية الحقوق السيادية لإسبانيا في المياه الكنارية”، وطالبت بضمان مشاركة حكومة جزر الكناري في الملفات التي تخص الأرخبيل، كما شددت على ضرورة فصل ترسيم المجالات البحرية عن ملفات أخرى، خصوصا الهجرة ومراقبة الحدود.
المفارقة أن مدريد تريد من جهة فصل الملفات، لكنها من جهة أخرى تعيد فتح ملف البحر في لحظة سياسية تتقاطع فيها العلاقات المغربية الإسبانية مع قضايا الهجرة والأمن والطاقة والتجارة والموانئ. ولذلك يصعب قراءة التحرك البرلماني الإسباني باعتباره مجرد إجراء تقني لتحديد خطوط على خريطة.
والأكثر إثارة أن المقترح يطالب الحكومة الإسبانية بتقديم تقرير خلال ثلاثة أشهر إلى مجلسي النواب والشيوخ وحكومة جزر الكناري حول وضعية المفاوضات مع المغرب، ومدى مشاركة الحكومة الكنارية، والقضايا العالقة، والخطوات المرتقبة.
بعبارة أخرى، مدريد تريد أن تعرف أين وصلت المفاوضات، ومن يشارك فيها، وما الذي بقي عالقا، وماذا تنوي الحكومة أن تفعل. وهذا وحده يكشف أن الملف لم يعد مجرد قضية مؤجلة في أدراج الإدارة الإسبانية، بل عاد إلى واجهة الحسابات السياسية.
أما إدخال قضية الصحراء في النص الإسباني، من خلال الحديث عن ضرورة عدم استباق “الوضع النهائي للصحراء الغربية”، فيكشف بدوره أن الحدود البحرية لا يمكن فصلها عن الجغرافيا السياسية للمنطقة. فالمغرب ينظر إلى أقاليمه الجنوبية باعتبارها جزءا من ترابه الوطني، بينما تحرص الوثيقة الإسبانية على إبقاء صياغة منفصلة حول الوضع النهائي للصحراء.
وهكذا يجد البرلمان الإسباني نفسه أمام حقيقة بسيطة: لا يمكن رسم البحر بعيدا عن اليابسة، ولا يمكن معالجة الحدود البحرية بمجرد بيانات سياسية، ولا يمكن تحويل مياه الأطلسي إلى ورقة تفاوضية خاضعة للرغبات الانتخابية والحسابات المحلية في جزر الكناري.
المغرب، في المقابل، دخل هذا الملف منذ سنوات بإطار تشريعي واضح. والقانونان اللذان أُقرا سنة 2020 لم يكونا مجرد تفصيل إداري، بل شكلا تحديثا للمنظومة الوطنية المتعلقة بالمجالات البحرية، بما في ذلك المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.
ومن هنا، فإن عودة مجلس الشيوخ الإسباني إلى الملف بعد سنوات من الانتظار تبدو أقرب إلى تذكير مدريد بأن التفاوض لا يبدأ عندما تكتشف إحدى العواصم أهمية القضية، بل عندما تتوافر الإرادة السياسية لدى الطرفين، وبالاستناد إلى القانون الدولي ومصالح كل دولة.
أما جزر الكناري، التي تريد اليوم أن تكون طرفا حاضرا في المشهد، فهي تدرك قبل غيرها أن موقعها الجغرافي يجعلها جزءا مباشرا من أي نقاش حول المجال البحري المقابل للمغرب. لكن الجغرافيا، مرة أخرى، لا تتغير بالتصويت داخل اللجان البرلمانية.
قد يستطيع مجلس الشيوخ الإسباني أن يصوت، والحكومة أن تعد التقارير، والأحزاب أن ترفع سقف الخطاب حول “السيادة”، لكن البحر لا يعترف بالضجيج السياسي. فالحدود البحرية تحتاج إلى تفاوض واتفاق وقواعد قانونية، والمغرب دخل هذا المسار منذ سنوات وهو يحمل معه إطارا تشريعيا وطنيا محدثا.
والرسالة الأوضح من كل ذلك أن الرباط لم تكن تنتظر أن تستفيق مدريد في خريف 2026 لتكتشف أن للمغرب بحرا ومصالح بحرية وحدودا ينبغي التفاوض بشأنها.
فالبحر لم يتحرك اليوم… الذي تحرك هو البرلمان الإسباني.
02/10/2026