kawalisrif@hotmail.com

صادم :     847 نتيجة إيجابية تهز الجيش الإسباني.. المخدرات تتسلل إلى الثكنات والشفافية تتعثر عند باب وزارة الدفاع

صادم : 847 نتيجة إيجابية تهز الجيش الإسباني.. المخدرات تتسلل إلى الثكنات والشفافية تتعثر عند باب وزارة الدفاع

في الوقت الذي تحرص فيه المؤسسة العسكرية الإسبانية على تقديم نفسها باعتبارها عنواناً للانضباط والصرامة والجاهزية، تكشف أرقام رسمية نقلتها صحيفة إسبانية وجهاً آخر داخل الثكنات، بعدما سجل الجيش الإسباني 847 نتيجة إيجابية في اختبارات المخدرات خلال سنة 2025، من أصل 112102 اختباراً أُجريت في مختلف فروع القوات المسلحة.

وبحسب المعطيات التي حصلت عليها الصحيفة في إطار قانون الشفافية، فإن الكوكايين والقنب كانا أكثر المواد المخدرة ظهوراً في نتائج الاختبارات خلال السنوات الأخيرة. ولأن الأرقام، في هذه الحالة، لا تحتاج إلى كثير من الماكياج، فإنها تكشف أن ملف المخدرات لم يختفِ من المؤسسة العسكرية، حتى وإن كانت نسب النتائج الإيجابية قد تراجعت مقارنة ببعض السنوات السابقة.

واللافت أن وزارة الدفاع الإسبانية نفسها أوضحت أن رقم 847 لا يعني بالضرورة 847 عسكرياً، بل يمثل عدد التحاليل التي جاءت نتائجها إيجابية، لأن العسكري نفسه يمكن أن يخضع لأكثر من اختبار خلال الفترة ذاتها. وهو توضيح مهم يمنع تحويل الرقم مباشرة إلى عدد أشخاص، لكنه لا يلغي حقيقة وجود نتائج إيجابية داخل مؤسسة يفترض أن تكون فيها قواعد الانضباط أكثر صرامة من غيرها.

وتكشف الأرقام التاريخية أن بعض النسب كانت أعلى بكثير في السنوات السابقة. ففي البحرية الإسبانية، بلغت نسبة النتائج الإيجابية للقنب 0.99 في المائة سنة 2016، بينما وصلت نسبة الكوكايين إلى 0.91 في المائة في السنة نفسها. وفي 2017، سجلت البحرية 0.98 في المائة للقنب و0.93 في المائة للكوكايين، قبل أن تنخفض النسب تدريجياً لتصل سنة 2025 إلى 0.28 في المائة للقنب و0.45 في المائة للكوكايين.

أما الجيش البري، فقد سجل الكوكايين أعلى نسبه خلال عامي 2018 و2019، عندما بلغت النسبة 0.60 في المائة و0.69 في المائة على التوالي، قبل أن تتراجع إلى 0.39 في المائة سنة 2025. وبالنسبة إلى القنب، استقرت النسبة عند 0.30 في المائة خلال السنة نفسها.

وفي سلاح الجو والفضاء، وصلت نسبة النتائج الإيجابية للقنب إلى 0.91 في المائة سنة 2017، قبل أن تنخفض إلى 0.26 في المائة سنة 2025، بينما سجل الكوكايين ذروة بلغت 0.69 في المائة سنة 2019، لينهي السلسلة عند 0.32 في المائة سنة 2025.

والمفارقة التي تستحق التوقف عندها أن مكافحة المخدرات داخل الجيش الإسباني أصبحت بدورها بنداً له كلفته المالية. فقد أنفق الجيش البري 394500 يورو على هذه الاختبارات سنة 2025، مقابل 77246 يورو للبحرية و78770 يورو لسلاح الجو والفضاء. وفي البحرية تحديداً، بلغت الميزانية المخصصة للاختبارات 104271 يورو سنة 2018.

وبمعنى آخر، فالمؤسسة العسكرية لا تكتفي بالتدريبات والأسلحة والمناورات، بل تحتاج أيضاً إلى ميزانيات لمطاردة آثار المخدرات داخل صفوفها. وكأن قائمة التجهيزات العسكرية لم تعد تكتمل من دون إضافة مختبرات التحليل وتقارير السموم إلى جانب المعدات والذخيرة.

لكن القصة لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل تمتد أيضاً إلى مسألة الشفافية. فقد تقدمت الصحيفة بطلب يتضمن عشرة أسئلة تفصيلية حول الاختبارات، بما في ذلك عدد العسكريين الذين خضعوا لها، وتوزيع النتائج حسب نوع المادة وفرع القوات المسلحة، وتكاليف التحاليل وإعادة التحليل، والعينات التي تعرضت للتلاعب، إضافة إلى الإجراءات التأديبية والعقوبات.

غير أن وزارة الدفاع الإسبانية لم تقدم جميع المعلومات المطلوبة، مبررة ذلك بأن بعض البيانات لا توجد لديها بالشكل الذي طلبته الصحيفة، وأن استخراجها بشكل كامل يتطلب إعداد تقرير جديد يجمع معطيات من مختبرات ومراكز متعددة.

وهنا تصبح الحكاية أكثر إثارة من مجرد نتيجة إيجابية في اختبار مخبري؛ فحين يكون الوصول إلى تفاصيل العقوبات والإجراءات التأديبية أكثر تعقيداً من إجراء الاختبار نفسه، فإن سؤال الشفافية يفرض نفسه بقوة.

وتقول الوزارة إن هذه الاختبارات تندرج ضمن “الخطة العامة الثالثة للوقاية من المخدرات في القوات المسلحة”، التي تستهدف الوقاية من استهلاك المواد المخدرة والحد منه ومراقبته عبر التوعية والتكوين والتحسيس.

ومع ذلك، فإن 847 نتيجة إيجابية في سنة واحدة تظل رقماً كافياً لإعادة فتح النقاش حول مدى فعالية هذه البرامج، خصوصاً أن المعطيات نفسها تكشف استمرار تسجيل الكوكايين والقنب داخل مختلف فروع القوات المسلحة.

والأهم أن هذه الأرقام لا تسمح بإطلاق أحكام جماعية على الجيش الإسباني أو أفراده، لكنها تكشف بوضوح أن المؤسسة العسكرية، مثل غيرها من المؤسسات، ليست بمنأى عن ظاهرة المخدرات. والفارق فقط أن اكتشافها داخل مؤسسة تحمل السلاح وتقدم نفسها باعتبارها نموذجاً للانضباط يجعل كل نتيجة إيجابية أكثر حساسية، وكل سؤال حول الشفافية أكثر إلحاحاً.

وفي النهاية، قد تكون نسب النتائج الإيجابية قد تراجعت مقارنة بسنوات سابقة، وهذا ما تؤكده الأرقام نفسها، لكن المفارقة تبقى قائمة: جيش يرفع شعار الجاهزية والانضباط، ويجد نفسه مضطراً إلى إنفاق مئات آلاف اليوروهات سنوياً بحثاً عن آثار المخدرات بين صفوفه، فيما تظل بعض التفاصيل المتعلقة بالعقوبات والإجراءات التأديبية خلف ستار من التعقيدات الإدارية.

والسؤال الذي يبقى مفتوحاً ليس فقط: كم اختباراً أُجري؟ بل أيضاً: ماذا يحدث بعد ظهور النتيجة الإيجابية؟ فهناك تبدأ القصة الحقيقية، وهناك تحديداً تنتهي لغة الأرقام وتبدأ مسؤولية المؤسسة.

وهكذا ينتهي المشهد العسكري الإسباني على إيقاع مختلف تماماً عن صوت المدافع والمناورات؛ قليل من الكيف، بعض الحشيش، وجرعة من الكوكا، ثم تأتي وزارة الدفاع لتبحث عن الشفافية بين ثنايا الملفات والتبريرات الإدارية. يبدو أن بعض الثكنات تحتاج، إلى جانب برامج التدريب والانضباط، إلى برنامج آخر أكثر تخصصاً لمطاردة ما لا يفترض أن يكون موجوداً أصلاً. أما السؤال عمّا يحدث بعد النتيجة الإيجابية، فيبقى معلّقاً… وكأن الشفافية نفسها دخلت المختبر ولم تخرج منه بعد!

03/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts