في تحول صناعي يعكس تصاعد مكانة المملكة المغربية على خريطة صناعة السيارات العالمية، بات المغرب يشكل أحد أبرز المنافسين لإسبانيا في هذا القطاع الاستراتيجي، مستفيداً من انخفاض تكاليف الإنتاج، وتطور بنيته التحتية اللوجستية، وتنامي الاستثمارات الدولية، في وقت تراقب فيه شركات السيارات الأوروبية التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع الصناعي المغربي.
ووفق تقرير نشرته صحيفة إسبانية متخصصة، فإن تكلفة تصنيع السيارة في المغرب تقل بنحو 20 إلى 25 في المائة مقارنة بإسبانيا، وهو فارق قد يتيح للشركات المصنعة توفير ما يصل إلى 3000 يورو عن كل مركبة، ما يجعل المملكة وجهة صناعية أكثر جاذبية في حسابات كبار المصنعين الأوروبيين.
وأشار التقرير إلى أن المغرب تجاوز بالفعل عتبة نصف مليون سيارة منتجة سنوياً، ليصبح أكبر منتج للسيارات في القارة الإفريقية، بينما يواصل تنفيذ استراتيجية صناعية طموحة تستهدف بلوغ إنتاج مليون سيارة، من خلال تطوير منظومة متكاملة تجمع بين التصنيع، وشبكة موردي المكونات، والخدمات اللوجستية، والاستثمارات المرتبطة بالتحول نحو السيارات الكهربائية.
وتبرز موانئ طنجة والناظور ضمن أبرز الأوراش التي تعزز هذا التوجه، بفضل بنياتها المخصصة لتخزين ونقل السيارات وقدراتها اللوجستية المتنامية، بما يدعم طموح المملكة إلى رفع قدراتها التصديرية إلى مستويات قياسية. كما يمنح الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب، على بعد مسافة قصيرة من الأسواق الأوروبية عبر مضيق جبل طارق، أفضلية تنافسية مهمة في سلاسل التوريد والتصدير.
وبالتوازي مع ذلك، يرتكز المخطط الصناعي المغربي على تطوير قطبين رئيسيين حول مصنعي “رونو” و”ستيلانتيس”، مع توسيع شبكة الموردين المحليين وتقوية قدرات إنتاج المكونات، بما يساهم في تقليص الاعتماد على الواردات وتعزيز اندماج الصناعة الوطنية في سلاسل الإنتاج العالمية. كما سجل المغرب، وفق التقرير، تقدماً في مجال تصنيع المحركات، في مؤشر على انتقال المنظومة الصناعية تدريجياً من مرحلة التجميع إلى توسيع قاعدة الإنتاج المحلي.
وعلى مستوى الشراكات الدولية، عززت المملكة موقعها كشريك استراتيجي للصين، خصوصاً في الصناعات المرتبطة بالبطاريات والمعادن الضرورية للتحول الطاقي. ويتزامن ذلك مع مشاريع استثمارية في قطاعات المواد الكيميائية والمعدنية، إلى جانب إنشاء مصنع ضخم لبطاريات السيارات الكهربائية، يوصف بأنه الأول من نوعه في إفريقيا، ومن المنتظر أن يدعم منظومة صناعة السيارات الكهربائية بالمغرب، بما فيها النشاط الصناعي لمصنع “رونو” بالقنيطرة.
ويعزو التقرير جانباً مهماً من التنافسية المغربية إلى فارق تكلفة اليد العاملة، إذ تتراوح أجور بعض العاملين في القطاع بين 500 و600 يورو، مقابل مستويات تصل إلى 1500 يورو على الأقل في إسبانيا، فضلاً عن عوامل مرتبطة بتكاليف الطاقة والبيئة الصناعية، وهي عناصر تمنح المستثمرين هامشاً إضافياً لتقليص نفقات الإنتاج.
وفي المقابل، أثار التقرير مسألة المعايير البيئية، معتبراً أن الشركات الأوروبية تتحمل أعباء أكبر مرتبطة بترشيد استهلاك المياه ومعالجة النفايات الصناعية وإعادة تدويرها، في ظل تشريعات بيئية أكثر صرامة. وهي مقارنة تبرز، في الوقت ذاته، أهمية مواصلة المغرب تطوير معاييره البيئية والصناعية بما يواكب طموحاته في استقطاب الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية.
وتكشف هذه المؤشرات عن تحول المغرب إلى منصة صناعية إفريقية بامتداد أوروبي واضح، لم تعد جاذبيتها مقتصرة على انخفاض تكلفة الإنتاج، بل أصبحت تستند إلى شبكة موانئ استراتيجية، ومناطق صناعية متخصصة، وشراكات دولية، وسلاسل توريد متكاملة، واستثمارات متزايدة في تكنولوجيات المستقبل.
وهكذا، لم تعد المنافسة المغربية للصناعة الإسبانية مجرد فارق في كلفة اليد العاملة أو الإنتاج، بل بدأت تتحول إلى معادلة صناعية متكاملة تعيد رسم خريطة صناعة السيارات على الضفة الجنوبية للمتوسط. وبينما تبحث الشركات الأوروبية عن خفض التكاليف وتأمين سلاسل توريد أكثر مرونة، يتقدم المغرب بخطوات متسارعة، مستفيداً من موقعه الجغرافي وموانئه واستثماراته الصناعية، ليضع إسبانيا أمام منافس بات يطرق أبواب السوق الأوروبية من أقرب نقطة ممكنة.
04/10/2026