عاد ملف الذبح الشعائري دون تخدير إلى واجهة النقاش السياسي في هولندا، وسط تجدد الدعوات إلى إلغاء الاستثناء القانوني الذي يسمح، في ظروف محددة، بذبح الحيوانات وفق بعض الطقوس الإسلامية واليهودية من دون إخضاعها للتخدير المسبق، في خطوة من شأنها أن تفتح نقاشاً واسعاً داخل المجتمع الهولندي حول حدود حماية الحيوان وعلاقة ذلك بحرية ممارسة الشعائر الدينية.
وتقود هذا التوجه أصوات سياسية وجمعيات معنية بالرفق بالحيوان، وفي مقدمتها حزب “من أجل الحيوانات”، الذي يدفع نحو جعل تخدير الحيوانات قبل الذبح قاعدة إلزامية داخل جميع المسالخ، من دون استثناءات مرتبطة بالممارسات الدينية. ويستند هذا الطرح إلى اعتبار أن الذبح دون تخدير قد يؤدي، وفق هذا التيار، إلى زيادة معاناة الحيوان، بينما ترى الجهات المدافعة عن استمرار الاستثناء أن المسألة ترتبط أيضاً بحرية الدين وحق الجماعات الدينية في ممارسة شعائرها وفق معتقداتها.
وتنص القواعد الهولندية الحالية على أن تخدير الحيوان قبل الذبح هو القاعدة العامة، مع وجود استثناء للذبح وفق الطقوس اليهودية والإسلامية. ولا يسمح بهذا الاستثناء بصورة مطلقة، بل يقتصر على مسالخ حصلت على موافقة رسمية وتخضع لرقابة الهيئة الهولندية لسلامة الغذاء والمنتجات الاستهلاكية (NVWA)، التي تؤكد أن الذبح دون تخدير لا يمكن أن يتم إلا في منشآت مرخصة وتحت شروط صارمة.
وتتضمن القواعد الحالية ما يعرف بـ”قاعدة الأربعين ثانية”، إذ يتعين تخدير الحيوان إذا ظل تظهر عليه علامات الوعي بعد مرور مدة أقصاها 40 ثانية من إجراء قطع الرقبة. كما يمكن للطبيب البيطري التابع للهيئة أن يتدخل عند عدم احترام القواعد، فيما قد تؤدي المخالفات المتكررة إلى فرض عقوبات أو وقف عمليات الذبح دون تخدير داخل المنشأة المعنية.
وتكشف المعطيات الرسمية الخاصة بعيد الأضحى لسنة 2026 أن القضية ليست هامشية بالنسبة للمجتمع المسلم في هولندا، إذ شارك 30 مسلخاً في عمليات الذبح خلال المناسبة، وسجلت الهيئة ذبح 1,421 رأساً من الأبقار و30,528 من الأغنام والماعز، فيما بلغت نسبة الحيوانات التي ذُبحت دون تخدير 30 في المائة. وفي المقابل، ارتفعت نسبة الذبح بالتخدير، بما يعكس وجود ممارسات مختلفة داخل المجتمع المسلم نفسه بشأن الطريقة المقبولة للذبح.
ومن هنا، فإن أي تغيير في القانون لن يكون مجرد تعديل تقني يخص المسالخ، بل يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الحياة الدينية والغذائية لعدد كبير من المسلمين في هولندا، ومن بينهم مغاربة هولندا الذين يشكلون جزءاً بارزاً من النسيج الاجتماعي للمجتمع المسلم الهولندي. فالمسألة قد تمتد إلى طريقة تنظيم عمليات الذبح خلال عيد الأضحى، وإلى توافر اللحوم التي تستجيب لمعايير دينية محددة، فضلاً عن الدور الذي تضطلع به المسالخ والمتاجر والجمعيات والمساجد في تنظيم هذا الجانب من الحياة الدينية.
غير أن التأثير المحتمل يحتاج إلى قراءة دقيقة، لأن إلغاء الذبح دون تخدير لا يعني بالضرورة اختفاء اللحوم الحلال من الأسواق الهولندية. فالهيئة الهولندية نفسها تشير إلى أن بعض المسالخ تستخدم التخدير قبل الذبح، كما أن بعض المنشآت تقوم بالتخدير مباشرة بعد قطع الرقبة، فيما تبقى مسألة اعتبار اللحوم “حلالاً” أو “كوشر” مرتبطة بالمعايير التي تعتمدها الجهات الدينية المعنية، وليس بقرار الهيئة الرقابية نفسها.
لكن بالنسبة إلى المسلمين الذين يشترطون عدم التخدير المسبق، فإن إلغاء الاستثناء سيعني عملياً تضييق الخيارات المتاحة أمامهم، وقد يفرض إعادة ترتيب جزء من منظومة توفير اللحوم المرتبطة بالمناسبات الدينية، وفي مقدمتها عيد الأضحى. ويزداد هذا البعد أهمية بالنسبة إلى الأسر المغربية والمسلمة التي تحرص على التوفيق بين الالتزام بالشعائر والقواعد القانونية للدولة التي تقيم فيها.
ولا يقتصر النقاش على المسلمين وحدهم، إذ إن الاستثناء القانوني يشمل أيضاً الذبح وفق الطقوس اليهودية، ما يجعل أي تعديل تشريعي قضية تمس كذلك الطائفة اليهودية في هولندا. ولذلك فإن النقاش يتجاوز العلاقة بين الدولة والمسلمين إلى سؤال أوسع حول كيفية الموازنة بين قواعد الرفق بالحيوان من جهة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية من جهة أخرى.
وتؤكد الحكومة الهولندية أن الذبح بالتخدير هو المعيار القانوني العام، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن الذبح الشعائري دون تخدير مسموح به في إطار القواعد الأوروبية، وأن تقييده يمس أيضاً بحرية الدين. كما تؤكد السلطات أن الهدف الحالي يتمثل في الحد من معاناة الحيوانات وتعزيز الرقابة، مع الإبقاء على الإطار القانوني القائم ما لم يتم تغييره عبر المسار التشريعي.
وفي يونيو 2026، ظهر الملف مجدداً داخل البرلمان الهولندي من خلال مقترح دعا إلى حظر ما وصفه مقدمه بالذبح أو التعذيب المرتبط بالشعائر الدينية، غير أن المقترح رُفض في التصويت، بعدما حصل على 34 صوتاً مقابل 75 صوتاً كانت مطلوبة لتمريره. ويعكس ذلك استمرار الانقسام السياسي حول حدود الاستثناء الديني في قوانين الذبح.
وهكذا، لا يتعلق الأمر في الوقت الراهن بحظر شامل جديد دخل حيز التنفيذ، بل بصراع سياسي وتشريعي حول مستقبل استثناء قائم منذ سنوات. وبينما يرفع أنصار التشديد شعار حماية الحيوان، تتمسك أطراف أخرى بأن أي تغيير يجب أن يأخذ في الاعتبار حرية الدين وخصوصية الممارسات الإسلامية واليهودية.
وبالنسبة إلى المسلمين في هولندا، ومن ضمنهم مغاربة هولندا، قد تتحول القضية في حال إقرار تغيير جذري إلى ملف يتجاوز حدود المسالخ، ليصل إلى موائد الأسر، وممارسات عيد الأضحى، وسلاسل توزيع اللحوم الحلال، ودور المؤسسات الدينية والمجتمعية في ضمان توفير منتجات تتوافق مع القواعد الدينية. أما بالنسبة إلى الطائفة اليهودية، فقد يطرح التغيير الإشكال نفسه فيما يتعلق بتوفير اللحوم التي تستجيب للمعايير الدينية اليهودية.
وفي المحصلة، يقف الملف أمام معادلة دقيقة: هل يمكن للدولة أن تشدد قواعد حماية الحيوان من دون أن يتحول ذلك إلى تقييد عملي لبعض الشعائر الدينية؟ سؤال لا يزال مفتوحاً في هولندا، ويضع المسلمين واليهود، وبينهم آلاف الأسر المغربية، أمام نقاش تشريعي ومجتمعي قد تكون له انعكاسات مباشرة على جزء من حياتهم الدينية واليومية.
04/10/2026