kawalisrif@hotmail.com

المغرب يخلع عباءة المستورد … من صفقات السلاح إلى ولادة قوة صناعية دفاعية في جنوب أوروبا !

المغرب يخلع عباءة المستورد … من صفقات السلاح إلى ولادة قوة صناعية دفاعية في جنوب أوروبا !

لم يعد المغرب يتعامل مع تحديث قدراته الدفاعية بمنطق اقتناء الأسلحة الجاهزة فقط، بل شرع خلال السنوات الأخيرة في بناء منظومة صناعية وتكنولوجية دفاعية متكاملة، تجعل من صفقات التسلح الكبرى مدخلاً لنقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتوطين الإنتاج، بما يعزز تدريجياً الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة ويضعها على طريق التحول إلى قطب إقليمي للصناعات الدفاعية.

وتكشف معطيات حديثة أن الرباط تمكنت من تحويل جزء مهم من عقودها العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا إلى رافعة لتطوير قاعدة صناعية وطنية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها الصناعية المتنامية، فضلاً عن سياسة واضحة تقوم على استقطاب الاستثمارات الأجنبية وربطها بنقل المعرفة والتكنولوجيا وتطوير القدرات المحلية.

وتكتسب هذه الدينامية أهمية خاصة مع إنشاء “الشركة المغربية لتدبير المناطق الصناعية الدفاعية” (SGZID) في يونيو 2025، وهي آلية مؤسساتية مخصصة لتصميم وتطوير وتدبير مناطق صناعية موجهة لصناعات الدفاع والأمن. وتتركز هذه المنظومة في مناطق برشيد، وميدبارك بالقرب من مطار النواصر، وبنسليمان، ضمن المجال الاقتصادي والصناعي لجهة الدار البيضاء-سطات، بما يجعل هذه المنطقة نواة فعلية لصناعة دفاعية مغربية صاعدة.

ويستند هذا التحول إلى الإطار القانوني الذي أرساه المغرب من خلال القانون 10-20 المتعلق بمواد وتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخيرة، والذي فتح الباب أمام إقامة صناعة دفاعية وطنية بشراكة مع القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب، مع إخضاع الاستثمارات لمراقبة الدولة وربط عدد من العقود بآليات لنقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي والمشاريع المشتركة.

وتكمن أهمية هذا النموذج في أن المغرب لا يكتفي بشراء المنظومات العسكرية المتطورة، بل يسعى إلى امتلاك المعرفة والخبرة اللازمة لصيانتها وتطويرها، وهو ما يسمح بتحويل جزء من الإنفاق الدفاعي إلى استثمار طويل الأمد في الصناعة والهندسة والتكوين والبحث والتطوير.

وتأتي الولايات المتحدة في مقدمة شركاء المغرب في المجال الدفاعي، حيث تمثل حصة مهمة من واردات المملكة من الأسلحة خلال السنوات الأخيرة. غير أن طبيعة التعاون بين الرباط وواشنطن تتجاوز تدريجياً علاقة المشتري بالمورّد، لتتجه نحو شراكة صناعية وتكنولوجية أكثر عمقاً.

ويبرز في هذا السياق مركز الصيانة المتقدمة للطائرات في بنسليمان، الذي يرتبط بشراكة تجمع شركة “لوكهيد مارتن” الأمريكية، و”سابينا إنجينيرينغ” البلجيكية، وصندوق “ميدز” المغربي، حيث يوفر المركز إمكانات متقدمة للصيانة والإصلاح والتحديث الصناعي لطائرات إف-16 وطائرات النقل سي-130 هيركوليس التابعة للقوات الجوية الملكية المغربية.

ويمثل هذا المشروع نقلة نوعية، لأنه يمنح الكفاءات المغربية إمكانية التعامل مباشرة مع تقنيات متقدمة كانت تتطلب في السابق إرسال المعدات إلى الخارج، كما يتيح للمملكة تطوير خبرات هندسية وتقنية قابلة للتوسع مستقبلاً، ويدمج الصناعة المغربية بصورة أكبر في سلاسل الإمداد العالمية للصناعات الجوية والدفاعية.

كما ارتبط تحديث مقاتلات إف-16 المغربية إلى معيار “بلوك 72” بإدماج قدرات متطورة للاتصال وتبادل المعلومات، من بينها منظومة “لينك-16″، التي تسمح بتبادل البيانات والأهداف بشكل فوري بين منصات عسكرية متوافقة. وقد تعزز حضور هذه القدرات ضمن التدريبات العسكرية متعددة الجنسيات التي تحتضنها المملكة، وعلى رأسها مناورات “الأسد الإفريقي”.

ولا تقتصر استراتيجية المملكة على الطيران والصيانة، بل تمتد إلى المجال السيبراني، الذي أصبح أحد المكونات الأساسية للأمن والدفاع الحديث. وفي هذا الإطار، يعمل المغرب على تعزيز حماية شبكاته العسكرية والبنى التحتية الحساسة، وتطوير قدراته في مجال الأمن السيبراني والعمليات متعددة المجالات، بما ينسجم مع المتطلبات التقنية التي تفرضها الشراكات العسكرية مع الولايات المتحدة.

ويعزز المغرب كذلك قدراته في مجال التجارب والتدريب العسكري المتعدد المجالات، من خلال مشروع مركز التدريب والتجارب متعددة المجالات الإفريقي “AMTEC” في طانطان، الذي يُراد له أن يشكل منصة متقدمة للتدريب والاختبار تجمع بين البر والبحر والجو والفضاء السيبراني والطيف الكهرومغناطيسي، إلى جانب تطوير قدرات مرتبطة بالطائرات المسيرة والتكنولوجيات الدفاعية الناشئة.

وفي الشق المتعلق بالشراكة المغربية الإسرائيلية، شهد التعاون الدفاعي تطوراً متسارعاً منذ سنة 2020، ولم يعد مقتصراً على اقتناء المعدات والأنظمة العسكرية، بل امتد إلى التصنيع والصيانة والتكوين ونقل الخبرات.

وتبرز شركة “بلو بيرد إيرو سيستمز”، التابعة للصناعات الجوية الإسرائيلية، باعتبارها من أبرز الشركات التي أقامت نشاطاً صناعياً في بنسليمان، مع إنتاج طائرات مسيرة متقدمة، فيما تواصل الصناعات الجوية الإسرائيلية توسيع حضورها في المملكة من خلال مشاريع مرتبطة بأنظمة الدفاع الجوي والاستطلاع والاتصالات.

ومن أبرز هذه المنظومات نظام “باراك إم إكس” للدفاع الجوي، الذي يرتبط بنقل معارف وخبرات في مجال الرادارات المتقدمة وأنظمة القيادة والتحكم، بما يرفع من مستوى الخبرة المغربية في مجال الإلكترونيات والاتصالات العسكرية.

كما تشمل الشراكة مجالات الاستطلاع الفضائي، مع برامج مرتبطة بالأقمار الصناعية المتخصصة في جمع المعلومات ومعالجة صور الرادار ذات الدقة العالية، بالتوازي مع تعاون أكاديمي وتكويني بين المؤسسات الإسرائيلية والجامعات المغربية، بما يعكس اتجاهاً نحو ربط الصناعة الدفاعية بالبحث العلمي وتكوين المهندسين.

وفي مجال المدفعية والصواريخ، عزز المغرب تعاونه مع شركة “إلبيت سيستمز”، التي أصبحت حاضرة في المملكة عبر مشاريع للصيانة والإنتاج وتجميع مكونات أنظمة مثل “PULS” و”ATMOS 2000″. كما تشمل الأنشطة الصناعية تصنيع الذخائر ودعم الأنظمة المدفعية، بما يعزز قدرة المغرب على تطوير جزء من احتياجاته داخل التراب الوطني.

ويشكل قطاع الطائرات المسيرة بدوره أحد المجالات التي تستفيد من هذه الدينامية، سواء من خلال الإنتاج المحلي أو الصيانة أو تطوير أنظمة غير مأهولة متقدمة، في وقت أصبحت فيه الطائرات المسيرة عنصراً أساسياً في منظومات الاستطلاع والمراقبة والعمليات العسكرية الحديثة.

أما فرنسا، فتحتل موقعاً مهماً ضمن منظومة الشراكات الدفاعية للمغرب، خصوصاً عبر شركات كبرى مثل “داسو للطيران”، و”تاليس”، و”إيرباص هيليكوبترز”. وتفتح هذه الشراكات المجال أمام توطين عدد من عمليات الصيانة والإنتاج والتكوين، مع توجه متزايد نحو رفع نسبة المكونات والخدمات التي يتم إنجازها داخل المملكة.

ويبرز في هذا الإطار مشروع صيانة المروحيات العسكرية في بنسليمان، المرتبط باقتناء المغرب مروحيات “H225 كاراكال”، والذي من شأنه تعزيز القدرات المحلية في مجال الصيانة الثقيلة وتكوين التقنيين والمهندسين المغاربة.

كما تتوسع الشراكات الفرنسية نحو الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفاع الجوي المستقلة، فضلاً عن الصناعات الإلكترونية والعسكرية الدقيقة. وتساهم مشاريع “تاليس” في مجال الصيانة والإلكترونيات والطيران والتصنيع الإضافي في تقليص الاعتماد على الخارج وتطوير سلسلة صناعية مغربية قادرة على الاستجابة لاحتياجات القطاع الدفاعي.

واللافت في المسار المغربي أن المملكة لا تتعامل مع التسلح باعتباره عملية شراء منفصلة عن الاقتصاد الوطني، بل تسعى إلى ربط كل صفقة كبرى بأثر صناعي وتكنولوجي يمتد إلى قطاعات الهندسة والطيران والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والصيانة والتصنيع.

وبذلك، تتحول المملكة تدريجياً من سوق مستوردة للمعدات الدفاعية إلى شريك صناعي قادر على استيعاب التكنولوجيا وتطوير الكفاءات وتوطين عدد متزايد من مراحل دورة حياة المعدات العسكرية.

والرهان الأكبر بالنسبة للمغرب لا يكمن فقط في امتلاك مقاتلات متطورة أو منظومات دفاع جوي أو طائرات مسيرة حديثة، وإنما في امتلاك القدرة على صيانة هذه المنظومات وتطويرها، وتكوين المهندسين القادرين على تشغيلها، ثم الانتقال تدريجياً إلى تصنيع مكونات وأنظمة داخل المملكة.

إنها معادلة جديدة تعيد تعريف مفهوم القوة الدفاعية، فالقوة لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات والمدافع والصواريخ، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على إنتاج التكنولوجيا واستيعابها وتطويرها وتكوين مواردها البشرية حولها.

ومن هذا المنظور، تبدو المناطق الصناعية في بنسليمان وبرشيد والنواصر والدار البيضاء أكثر من مجرد منصات لاستقبال الشركات الأجنبية؛ فهي تشكل اللبنات الأولى لمنظومة صناعية دفاعية مغربية تراهن المملكة على تطويرها خلال السنوات المقبلة، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي، وبنيتها التحتية، وعلاقاتها المتنامية مع القوى الصناعية والعسكرية الكبرى.

وبينما تواصل القوات المسلحة الملكية تحديث ترسانتها وفق رؤية طويلة المدى، يتقدم في الخلف مسار آخر لا يقل أهمية: بناء المعرفة والصناعة والخبرة المحلية. وهو المسار الذي قد يجعل المغرب، خلال السنوات المقبلة، ليس فقط أحد أبرز مقتني المعدات الدفاعية في إفريقيا، وإنما أيضاً أحد أهم المراكز الإقليمية لصناعة وصيانة وتطوير التقنيات الدفاعية في القارة.

05/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts