يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار , دخل مباشرة بعد إسدال الستار على الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، مرحلة مراجعة داخلية غير مسبوقة، في ظل تراجع مدوٍ في نتائجه الانتخابية وفقدانه حوالي 40 في المائة من مقاعده بمجلس النواب، مقارنة بما حققه في الاستحقاقات السابقة.
وحسب تصريح لجريدة “كواليس الريف” من طرف أحد أعضاء المكتب السياسي للحزب، فإن هذا التراجع لم يكن مجرد نتيجة عابرة لصندوق الاقتراع، وإنما يعكس، وفق تقييمه، تراكم مجموعة من الاختلالات السياسية والتنظيمية التي طفت إلى السطح خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً مع اتساع حضور أسماء التحقت بالحزب دون مسار حزبي سابق.
القيادي ذاته تحدث بصراحة عن ما وصفه بـ “التخبط” الذي طبع أداء بعض المحسوبين على الحزب، في إشارة إلى شخصيات قال إنها جاءت إلى التجمع الوطني للأحرار “بلا ألوان” ، في تلميح واضح إلى فئة من التكنوقراط الذين التحقوا بالحزب بعد صعود عزيز أخنوش إلى قيادته، وهو الذي كان في الأصل شخصية تكنوقراطية غير معروفة بانتماء حزبي قبل أن يتولى قيادة الحزب ويقوده إلى انتخابات 2021.
وبحسب المصدر نفسه، فإن إدماج شخصيات من خارج المدرسة الحزبية التقليدية ساهم في إضعاف الروابط التنظيمية داخل عدد من الهياكل، وخلق، وفق تعبيره، مسافة بين الحزب وقواعده، وهو ما انعكس في نهاية المطاف على صورته الانتخابية وقدرته على الحفاظ على الزخم الذي حققه في انتخابات 2021.
ولا تتوقف المراجعة التي يتحدث عنها القيادي عند الجانب التنظيمي، بل تمتد إلى طريقة تدبير الحزب لعلاقاته السياسية خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد التطورات التي رافقت المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة المرتقبة.
وفي هذا السياق، حمّل المصدر ذاته مسؤولية سياسية كبيرة لرئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي للحزب، الطالبي العلمي، معتبراً أن تصريحاته السابقة تجاه حزب الأصالة والمعاصرة ، وخرجاته كانت من بين العوامل التي ساهمت في تعقيد العلاقة بين الحزبين.
ويرى القيادي أن اللهجة القوية التي اعتمدها الطالبي العلمي في تصريحاته قبل الانتخابات ، والتي تضمنت انتقادات حادة تجاه حزب الأصالة والمعاصرة، انعكست سلباً على موقع التجمع الوطني للأحرار في المشهد السياسي، خصوصاً في ظل الحديث عن ترتيبات تشكيل الحكومة المقبلة.
ويذهب المصدر إلى أبعد من ذلك، إذ يعتبر أن ما جرى خلال المرحلة الأخيرة كشف الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة تدبير الخطاب السياسي للحزب، وفي بعض الوجوه التي تتحدث باسمه، تفادياً لتكرار ما يعتبره أخطاءً ساهمت في إضعاف موقع التجمع الوطني للأحرار بعد سنوات من تصدر المشهد الحكومي والانتخابي.
لكن الرسالة الأبرز التي حملتها تصريحات القيادي تتمثل في الحديث عن مرحلة جديدة داخل الحزب، عنوانها الأساسي “تنظيف الهياكل” وإعادة ترتيب البيت الداخلي.
فبحسب المصدر، فإن التجمع الوطني للأحرار يستعد لإعادة هيكلة عدد من أجهزته، بهدف ضخ دماء جديدة واستعادة الثقة داخل القواعد، مع الاستعداد مبكراً للانتخابات الجماعية المقبلة، ثم خوض الاستحقاقات التشريعية لسنة 2031 بقوة أكبر.
وأكد القيادي أن الحزب، رغم الانتكاسة الانتخابية الأخيرة، قادر على استعادة قوته، شريطة القيام بمراجعة حقيقية للهياكل والوجوه وطريقة الاشتغال، مشدداً على أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد عملية تجميل تنظيمية، وإنما إعادة بناء تستهدف استرجاع الحزب لموقعه داخل الساحة السياسية.
وفي واحدة من أكثر الرسائل إثارة، كشف المصدر أن المرحلة المقبلة قد تعرف أيضاً تغييراً على مستوى قيادة الحزب، من خلال انتخاب رئيس جديد يكون، وفق تعبيره، “من أبناء الحزب” ويمتلك مساراً حزبياً وتنظيمياً واضحاً.
وفي هذا السياق، تحدث القيادي عن محمد شوكي ، معتبراً أنه لا ينتمي إلى صف القيادات داخل الحزب، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة قد تفرض البحث عن شخصية ذات جذور تنظيمية وحزبية أقوى لقيادة التجمع الوطني للأحرار.
وتعكس هذه التصريحات، في مجموعها، حجم النقاش الداخلي الذي بدأ يفرض نفسه داخل حزب قاد الحكومة خلال الولاية السابقة، قبل أن يجد نفسه أمام تراجع انتخابي كبير في استحقاقات 23 شتنبر، وضع قيادته وهياكله وخياراته السياسية تحت المجهر.
فهل يكون فقدان حوالي 40 في المائة من المقاعد مجرد كبوة انتخابية عابرة، أم أنه بداية إعادة تشكيل عميقة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار؟
المؤشرات القادمة من داخل الحزب توحي بأن المعركة الحقيقية قد لا تكون انتهت ليلة 23 شتنبر، بل ربما بدأت بعدها مباشرة، وأن “تنظيف البيت الداخلي” الذي يتحدث عنه أحد أعضاء المكتب السياسي قد يتحول إلى عنوان المرحلة المقبلة، بما يحمله ذلك من تغييرات محتملة في الوجوه والهياكل وحتى القيادة، استعداداً لمعركة انتخابية جديدة عنوانها 2031 ، وكذلك الانتخابات الجماعية والجهوية والمهنية في 2027 .
06/10/2026