يستعد جبل طارق لبدء واحدة من أكبر عمليات تغيير ملامح ساحله خلال السنوات الأخيرة، بعدما دخل مشروع ضخم لردم البحر وإنشاء أراضٍ اصطناعية مرحلة التنفيذ، في عملية ستنتزع نحو 47 ألف متر مربع من مياه الميناء الداخلي، أي ما يعادل نحو 4.7 هكتارات، بهدف تشييد 2300 وحدة سكنية بأسعار ميسرة.
وبدأت السلطات، هذا الأسبوع، أولى الخطوات الميدانية للمشروع من خلال أخذ عينات من قاع البحر، تمهيداً لأعمال الردم التي ستغير جزءاً من الواجهة البحرية لجبل طارق. وأعلن ميناء جبل طارق أن السفينة “آر إم إس كونستركتور” ستتولى يومي 6 و7 أكتوبر عمليات فحص قاع البحر، داعياً باقي السفن إلى الابتعاد عن منطقة الأشغال.
ورغم أن عمليات الردم الفعلية لم تبدأ بعد، فإن النزول إلى البحر وأخذ عينات من قاعه يمثل أول تحرك ميداني واضح لمشروع ظل لأشهر حبيس المخططات والإجراءات الإدارية. وستستخدم نتائج الفحوصات في تحديد طبيعة القاع وتجهيز المنطقة التي ستُلقى فيها لاحقاً المواد اللازمة لإنشاء المساحة الجديدة.
ويستهدف المشروع، المعروف باسم “استصلاح الواجهة الغربية”، إنشاء الأرض الجديدة في النصف الشمالي من الميناء الداخلي، قبالة منتزه “ويست فيو” وبالقرب من ممشى “هاربور فيوز”، بعدما حصل على موافقة لجنة التنمية والتخطيط في 28 ماي الماضي.
وتراهن حكومة جبل طارق على المشروع لتوفير مساحات إضافية للبناء في منطقة تعاني أصلاً من محدودية شديدة في الأراضي المتاحة، إذ لم يعد التوسع العمراني ممكناً إلا عبر اللجوء مجدداً إلى البحر، كما حدث في عمليات سابقة غيّرت تدريجياً شكل الساحل والمنشآت المقامة فوقه.
ولا يتعلق المشروع بإضافة مساحة بحرية محدودة، بل بإنشاء مدينة سكنية مصغرة فوق أرض ستُنتزع من البحر، تضم 2300 مسكن، من بينها نحو 2000 شقة مخصصة للسكن الاقتصادي و300 وحدة لفائدة المتقاعدين. وتؤكد حكومة جبل طارق أن هذه المساكن ستظل ضمن برنامج السكن الميسر، ولن يُخصص أي جزء منها للسوق العقارية الحرة.
وتقدر السلطات أن إنشاء الأرض الجديدة سيستغرق ما بين 15 و18 شهراً، بعدما بدأت التعبئة للمشروع فعلياً في نهاية غشت الماضي بهدم الرصيف المعروف باسم “الرصيف الممتد رقم 3″، الواقع ضمن المنطقة التي ستخضع للتحول.
وتبلغ الكلفة الإجمالية المقدرة للمشروع نحو 69.6 مليون يورو، أي ما يعادل حوالي 59 مليون جنيه إسترليني، وتشمل عمليات إنشاء الأرض الجديدة والتدخلات المرتبطة بالتطوير السكني اللاحق.
ويرتبط المشروع باتفاق بين حكومة جبل طارق ومؤسسة “تي إن جي العالمية”، وهي الشركة نفسها التي تنفذ أشغالاً أخرى مثيرة للجدل في الجهة الشرقية من الصخرة. ووفق الشروط الأولية التي أُعلن عنها في يناير 2025، تتولى الشركة تمويل إنشاء الأرض الجديدة من دون تكلفة أولية على الحكومة، مقابل حصولها على جزء من المساحة الناتجة عن عملية الردم.
لكن المشروع لا يمر من دون أسئلة، إذ إن عملية تحويل مساحة بحرية إلى أرض جديدة ستطال محيط منتزه “ويست فيو”، وهي منطقة سكنية ومجال مفتوح يستخدمه السكان، ما أثار مخاوف خلال مراحل دراسة المشروع.
وتقول حكومة جبل طارق إن جناح السباحة التابع لجمعية “غاسا” سيظل قائماً، بينما سينقل ملعب الأطفال مؤقتاً خلال فترة الأشغال، قبل أن تتم توسعته وإدماجه في التطوير الجديد.
والأكثر حساسية أن المنطقة البحرية المعنية تضم نوعاً مهدداً بالانقراض من الرخويات المتوسطية، ما يجعل المشروع أمام تحد بيئي موازٍ للتحدي العمراني. فعملية الردم لن تعني فقط تشييد مساكن جديدة، وإنما ستؤدي عملياً إلى تغيير خط الساحل وتحويل مساحة من المياه إلى أرض اصطناعية.
وفي الوقت الذي تدافع فيه الحكومة عن المشروع باعتباره حلاً لأزمة السكن، تشكك المعارضة في قدرة السلطات على الالتزام بالجدول الزمني المعلن لإنجاز 2300 وحدة سكنية، مذكّرة بأن التقديرات الأولى كانت تتحدث عن إمكانية توفير المساكن الأولى خلال النصف الأول من عام 2028.
وتؤكد الحكومة، في المقابل، أن المشروع يندرج ضمن سياسة أوسع لتوفير السكن الميسر، مستندة إلى حصيلة تقول إن حكومتي حزب العمال الاشتراكي والليبراليين وفرتا 1742 مسكناً ميسراً منذ عام 2011، مع توقع ارتفاع العدد بفعل المشاريع الجاري تنفيذها.
غير أن اللافت في المشروع يتجاوز عدد الشقق والاستثمار المعلن، إذ يتعلق بتحول جغرافي جديد في واحدة من أكثر المناطق حساسية في مضيق جبل طارق. فالصخرة، التي تعاني ضيقاً شديداً في المساحة البرية، تواصل اللجوء إلى البحر باعتباره المجال المتاح لإنشاء أراضٍ جديدة.
وليس هذا المسار جديداً، فقد شهد جبل طارق منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي وخلال تسعينياته عمليات متتالية لإنشاء أراضٍ فوق البحر، استُخدمت لاحقاً لإقامة مناطق سكنية وتجارية ورياضية ومينائية.
لكن عمليات التوسع الاصطناعي لم تكن دائماً بلا تبعات. فبعد العواصف التي ضربت المنطقة سنة 2008، أُجريت دراسات حول الأضرار التي لحقت بالدفاعات البحرية في المنطقة الغربية، وأشارت وثائق رسمية آنذاك إلى أن التحولات التي عرفتها المنطقة المينائية في الجزيرة الخضراء أثرت في نظام الأمواج في أجزاء من الخليج، مع تسجيل ارتفاعات أكبر للأمواج خلال بعض العواصف، وهو ما دفع سلطات جبل طارق إلى تعزيز دفاعاتها البحرية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن المشروع الجديد سيكرر التأثيرات نفسها، غير أن العودة إلى ردم البحر تفتح من جديد النقاش حول الثمن البيئي والهندسي للتوسع الاصطناعي في خليج شديد الحساسية، حيث تتقاطع حركة الملاحة والموانئ والمنشآت الساحلية مع دينامية بحرية لا تتوقف عند حدود سياسية أو جغرافية.
وبينما تستعد الآليات للنزول إلى البحر، تبدو الصورة واضحة: جبل طارق لا يبحث فقط عن مساكن جديدة، بل عن أرض جديدة أيضاً، والأرض هذه المرة لن تأتي من اليابسة، وإنما من البحر نفسه.
06/10/2026