تتجه أنظار صناعة الدفاع والطيران العالمية نحو المغرب، الذي يستعد لفتح أبواب الدورة الثامنة من معرض مراكش للطيران 2026، في موعد استثنائي يجمع نحو 200 شركة من 27 دولة، ويضع المملكة في قلب سباق صناعي وعسكري متسارع لا يقتصر على اقتناء الأسلحة، بل يتجه نحو بناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على الإنتاج والصيانة والاندماج في سلاسل التوريد العالمية.
وخلال الفترة الممتدة من 7 إلى 10 أكتوبر، تتحول القاعدة الجوية للقوات المسلحة الملكية بمراكش إلى منصة ضخمة لأحدث الصناعات الجوية والدفاعية، بحضور عمالقة الصناعة العسكرية العالمية، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب فرنسا وتركيا والصين والإمارات والهند وكوريا الجنوبية ودول أخرى.
المعرض، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وبمشاركة القوات المسلحة الملكية والقوات الجوية الملكية والدرك الملكي ومؤسسات اقتصادية وصناعية مغربية، لا يبدو هذه المرة مجرد واجهة لاستعراض الطائرات والمعدات العسكرية، بل يحمل رسالة أعمق: المغرب يريد أن ينتقل من موقع المشتري في سوق السلاح إلى موقع الشريك الصناعي القادر على إنتاج جزء متزايد من احتياجاته وربط شركاته بسلاسل الصناعة الدفاعية والطيران العالمية.
وتكشف قائمة المشاركين عن حجم التحول الذي تشهده المملكة، مع حضور أسماء ثقيلة من قبيل لوكهيد مارتن، إل ثري هاريس، بوينغ، آر تي إكس، إيرباص، سافران، تاليس، إمبراير، الصناعات الجوية الإسرائيلية، إلبيت سيستمز، تاتا أدفانسد سيستمز وهارماتان إيه آي، فضلاً عن شركات كبرى من مختلف القوى الصناعية والعسكرية العالمية.
وسيكون الحضور الأمريكي من أبرز عناوين المعرض، حيث تشارك لوكهيد مارتن بصفة راعٍ من الفئة البلاتينية، وتعرض مجموعة من القدرات المرتبطة بالطيران والدفاع الجوي والضربات الدقيقة. وسيكون نموذج قمرة قيادة مقاتلة إف-35 من بين أبرز ما ستقدمه الشركة، في وقت ستظهر فيه مقاتلات إف-16 التابعة للقوات الجوية الملكية المغربية إلى جانب طائرة سي-130 جيه سوبر هيركوليس التابعة للقوات الجوية الأمريكية.
كما ستكون منظومات هيمارس، جافلين، باك-3 إم إس إي، وإي آر جي إم إل آر إس حاضرة ضمن المواد التي ستعرضها الشركة الأمريكية، في مشهد يعكس طبيعة التعاون العسكري المتطور بين الرباط وواشنطن.
لكن الأهم أن مشاركة لوكهيد مارتن لا تتوقف عند المعدات والأسلحة، إذ خصصت الشركة جانباً مهماً للتعاون الصناعي مع الموردين المغاربة، بهدف تعريفهم بمتطلبات التأهيل وإمكانيات الاندماج في سلسلة التوريد العالمية للشركة.
وتعكس هذه الخطوة تحولاً في طبيعة العلاقة بين المغرب والصناعة الدفاعية الأمريكية، بعدما امتدت الشراكة بين الطرفين لنحو خمسة عقود، وشملت تزويد القوات المسلحة الملكية بمقاتلات إف-16 وطائرات سي-130 وأنظمة رادار ومروحيات، إضافة إلى إنشاء شركة مشتركة سنة 2022 لتقديم خدمات الصيانة والإصلاح والفحص لأسطولي إف-16 وسي-130 إتش.
وإلى جانب لوكهيد مارتن، تحضر بوينغ بقوة، مع تركيز واضح على تطوير سلسلة التوريد والتكوين الصناعي المحلي، بينما يضم الوفد الأمريكي شركات عملاقة أخرى مثل آر تي إكس، نورثروب غرومان، إل ثري هاريس، جنرال أتوميكس، تكسترون وكيرتس رايت.
وتأتي هذه المشاركة في سياق أصبحت فيه الولايات المتحدة المورد الأكبر للأسلحة الرئيسية إلى المغرب. فواشنطن تصنف المملكة منذ سنة 2004 كـحليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي، فيما تشير المعطيات المتعلقة بالفترة بين 2021 و2025 إلى أن الولايات المتحدة مثلت نحو 60 في المائة من واردات المغرب من الأسلحة الرئيسية، مقابل 24 في المائة لإسرائيل و10 في المائة لفرنسا.
كما تتواصل صفقات التسليح الجديدة، بعدما أخطرت وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية سنة 2025 بإمكانية بيع المغرب ما يصل إلى 600 صاروخ ستينغر بقيمة تقديرية تصل إلى 825 مليون دولار، إضافة إلى إمكانية بيع 500 قنبلة صغيرة القطر من طراز جي بي يو-39 بي بقيمة تناهز 86 مليون دولار.
وفي الجهة الأخرى، تحضر إسرائيل للمرة الأولى بوفد رسمي كبير، في خطوة تعكس التطور الذي عرفه التعاون الدفاعي بين الرباط وتل أبيب خلال السنوات الأخيرة.
وتشارك الصناعات الجوية الإسرائيلية وإلبيت سيستمز لأول مرة بشكل رسمي في معرض مراكش للطيران، إلى جانب شركات إسرائيلية متخصصة في أنظمة الدفاع والطائرات المسيرة والاستشعار والاتصالات، من بينها رافائيل للأنظمة الدفاعية المتقدمة، إكستند، شيلات للبصريات، يوفيجن، آسيو تكنولوجيز وأوربيت تكنولوجيز.
وتدخل الصناعات الجوية الإسرائيلية إلى المعرض محملة بمجموعة من الأنظمة التي تنسجم مع متطلبات تحديث القوات المسلحة المغربية، من بينها حلول الدفاع الجوي، ونظام الضربات الدقيقة لورا، والطائرة المسيرة هيرون إم كاي 2، وتقنيات القتال التعاوني أوبال، فضلاً عن حلول الاتصالات عبر الأقمار الصناعية وخدمات صيانة وتحويل الطائرات المدنية إلى طائرات شحن.
أما إلبيت سيستمز، فتستعرض مجموعة واسعة من التقنيات، تشمل الطائرة المسيرة هيرمس 900، وأنظمة ثور، ماغني إكس وفايرفوكس إكس، والذخيرة المتسكعة سكاي سترايكر، ونظام المدفعية الصاروخية بولس، والذخائر الموجهة ليزارد، فضلاً عن أنظمة الحرب الإلكترونية والحماية الذاتية.
ويعود الإطار الرسمي للتعاون الدفاعي بين المغرب وإسرائيل إلى مذكرة التفاهم الموقعة في نوفمبر 2021، والتي أرست أساساً للتعاون في مجالات الدفاع والاستخبارات والتدريب العسكري، قبل أن تتطور العلاقات إلى عقود في مجالات الدفاع الجوي والطائرات المسيرة والمدفعية وتكنولوجيات عسكرية متقدمة.
وبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري”، ارتفعت حصة إسرائيل من واردات المغرب من الأسلحة الرئيسية إلى 24 في المائة خلال الفترة 2021-2025، لتصبح ثاني أكبر مورد بعد الولايات المتحدة.
لكن الرسالة الأهم التي يحملها معرض مراكش للطيران هذه السنة لا تكمن فقط في الصواريخ والطائرات والمقاتلات التي تستعرضها الشركات الكبرى، وإنما في التحول الصناعي الذي يخوضه المغرب بخطوات متسارعة.
فالمملكة تعمل على بناء منظومة صناعية للطيران والفضاء تضم بالفعل أكثر من 150 شركة دولية، وتطور قدراتها في مجالات الهندسة والصيانة والإلكترونيات وتصنيع المكونات والرقمنة والخدمات الجوية.
ويبرز في هذا السياق الاستثمار الجديد لشركة برات آند ويتني التابعة لمجموعة آر تي إكس، التي افتتحت في أبريل 2026 مصنعاً جديداً في الدار البيضاء لإنتاج مكونات مشغلة لمحركات الطائرات، مع توقعات بتوفير نحو 200 فرصة عمل بحلول 2030.
كما يعكس المعرض سياسة مغربية تقوم على تنويع الشركاء والموردين، إذ لا تقتصر المشاركة على الولايات المتحدة وإسرائيل، بل تشمل قوى صناعية وعسكرية كبرى من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، من بينها فرنسا وتركيا والصين والإمارات والهند وكوريا الجنوبية.
وتحضر شركة بايكار التركية، فيما تسجل الإمارات حضوراً مؤسساتياً وصناعياً قوياً باعتبارها شريكاً استراتيجياً لهذه الدورة، بمشاركة شركات من بينها مجموعة إيدج.
وبينما تصطف أحدث الطائرات والأنظمة الدفاعية في سماء ومرافق مراكش، تبدو الصورة أكبر من مجرد معرض عسكري. فالمغرب يعيد رسم موقعه داخل سوق الدفاع الإفريقي، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي وشراكاته الدولية ومن توسع بنيته الصناعية.
ومن إف-16 وأباتشي وهيمارس إلى الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والفضاء والصيانة الجوية، تكشف الدورة الجديدة من معرض مراكش للطيران عن مسار واضح: المملكة لا تكتفي بتحديث ترسانتها العسكرية، بل تسعى بالتوازي إلى بناء قدرة صناعية تجعلها جزءاً من منظومة الإنتاج العالمية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المشهد الذي ستشهده مراكش: أمريكا وإسرائيل وكبرى القوى الصناعية العالمية تجتمع في المغرب ليس فقط لعرض السلاح، وإنما للبحث عن شراكات وأسواق وسلاسل إنتاج جديدة، فيما يواصل المغرب تعزيز موقعه كقوة دفاعية وصناعية صاعدة في إفريقيا.
06/10/2026