في تطور علمي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد تفصيل صغير في حركة كوكبنا، تستعد دول العالم لمناقشة تغيير قد يعيد رسم الطريقة التي تُضبط بها ساعات البشرية، بعدما بدأت الأرض تدور في السنوات الأخيرة بسرعة أكبر من المتوقع، ما يفتح الباب أمام سيناريو غير مسبوق يتمثل في حذف ثانية كاملة من التوقيت العالمي، بدلا من إضافتها كما جرت العادة.
والقصة التي تبدو مرتبطة بثانية واحدة فقط تخفي وراءها رهانات تقنية هائلة، إذ يمكن لتلك اللحظة الزمنية القصيرة أن تتحول إلى مصدر اضطراب بالنسبة إلى أنظمة معلوماتية وبنى تحتية تعتمد على التوقيت بالغ الدقة، من شبكات الحاسوب إلى أنظمة الملاحة والتداول المالي والخدمات الرقمية الحساسة.
وتتجه الأنظار بين 13 و15 أكتوبر الجاري إلى فرساي الفرنسية، حيث يجتمع دبلوماسيون وعلماء من روسيا وأوروبا والولايات المتحدة والصين، خلال الدورة الـ28 للمؤتمر العام للأوزان والمقاييس، لمناقشة مستقبل نظام التوقيت العالمي، وفي قلبه ما يعرف بـ”الثانية الكبيسة”.
ومنذ ستينيات القرن الماضي، لم يعد قياس الزمن يعتمد فقط على دوران الأرض وموقع الشمس، بعدما فرض التطور العلمي اعتماد الساعات الذرية التي توفر مستوى هائلا من الدقة والاستقرار. غير أن العلماء أبقوا على صلة بين التوقيت الذري والتوقيت الفلكي، لأن ضبط الوقت على المستوى العالمي ظل مرتبطا، ولو جزئيا، بحركة الكوكب الذي نعيش عليه.
وفي عام 1972، ظهر نظام “الثانية الكبيسة”، الذي يسمح بإضافة ثانية إلى التوقيت العالمي المنسق عندما يقترب الفارق بين التوقيت الذري والتوقيت المرتبط بدوران الأرض من 0.9 ثانية. ومنذ ذلك الحين، أضيفت هذه الثانية 27 مرة، وكانت آخر مرة عام 2016.
لكن المفارقة التي أربكت الحسابات هذه المرة هي أن الأرض، التي كان يُفترض أن يستمر دورانها في التباطؤ تدريجيا، بدأت خلال السنوات الأخيرة تسجل تسارعا نسبيا، لأسباب لا تزال غير مفهومة بالكامل.
وهنا ظهرت المشكلة التي لم تكن مطروحة بهذا الشكل من قبل: ماذا لو أصبح التوقيت الذري متقدما على دوران الأرض إلى درجة تستوجب حذف ثانية بدلا من إضافتها؟
هذا السيناريو يعرف باسم “الثانية الكبيسة السلبية”، وهو احتمال يعتبره قطاع التكنولوجيا أكثر إثارة للقلق من إضافة ثانية، بسبب صعوبة تعامل الأنظمة المعلوماتية مع قفزة زمنية سلبية لم تُختبر على نطاق واسع.
والتحذير ليس نظريا بالكامل، فقد سبق لإضافة ثانية واحدة أن تسببت، سنة 2012، في اضطرابات وأعطال مست أنظمة تعتمد على التوقيت الدقيق، بينها أنظمة مرتبطة بـ”لينكس” ومنصة “ريديت” وشركة الطيران “كانتاس”، فيما أثارت العملية مخاوف لدى منصات التداول عالي التردد وبعض البنى التحتية الحساسة.
ولهذا السبب، لم تعد المسألة مجرد خلاف بين علماء الفلك وخبراء الساعات، بل تحولت إلى قضية تكنولوجية عالمية، خصوصا مع اعتماد الاقتصاد الحديث على أنظمة قادرة على تسجيل الأحداث ومعالجتها في أجزاء متناهية الصغر من الثانية.
وتشير المعطيات التي يناقشها المكتب الدولي للأوزان والمقاييس إلى أن احتمال الحاجة إلى “ثانية كبيسة سلبية” قد يصل إلى 30 في المئة بحلول عام 2035، وهو ما دفع إلى التفكير في تغيير قواعد اللعبة بدلا من الاستمرار في معالجة المشكلة ثانية بثانية.
والاقتراح المطروح يقضي بالتخلي تدريجيا عن نظام التدخل عند اقتراب الفارق من 0.9 ثانية، والسماح للتوقيت الذري بالابتعاد عن التوقيت المرتبط بدوران الأرض بفارق أكبر بكثير، قد يصل إلى ساعة كاملة، أي 3600 ثانية.
ولا يعني ذلك أن سكان العالم سيستيقظون يوما ليجدوا أن الساعة أضيفت إليها ساعة كاملة، بل إن الأمر يتعلق بهامش زمني يسمح للأنظمة العالمية بمواصلة العمل دون الحاجة إلى تعديلات متكررة في التوقيت كلما تغيرت سرعة دوران الأرض.
وبحسب الخطة المطروحة، يفترض أن يبدأ تطبيق النظام الجديد اعتبارا من عام 2027، بما يضع حدا تدريجيا لمشكلة “الثانية الكبيسة”، ويمنح الأنظمة الرقمية مساحة أكبر للتعامل مع التغيرات الطبيعية في دوران الكوكب.
غير أن الإصلاح الذي يبدو تقنيا بحتا يصطدم بحسابات جيوسياسية وتقنية معقدة، بعدما أبدت روسيا تحفظات مرتبطة أساسا بنظام الملاحة الفضائية الروسي “غلوناس”.
فهذا النظام يدمج الثواني الكبيسة في حساباته الزمنية، على خلاف نظام تحديد المواقع العالمي “GPS” ونظام “غاليليو” الأوروبي، ما يجعل أي تغيير سريع في قواعد التوقيت تحديا تقنيا بالنسبة إلى موسكو.
وتقول المعطيات الواردة في التقرير إن تحديث منظومة “غلوناس” يحتاج إلى فترة إشعار مسبق لا تقل عن 15 عاما، وهو ما يفسر مطالبة روسيا بمزيد من الوقت للتكيف مع الإصلاح المقترح، خصوصا أنها كانت تستعد لعملية التغيير في أفق يقارب عام 2035.
وهكذا، تحولت “ثانية” واحدة إلى ملف عالمي تتقاطع فيه علوم الفلك والساعات الذرية والأنظمة المعلوماتية والملاحة الفضائية، وحتى الحسابات الاستراتيجية بين القوى الكبرى.
فالأرض لا تنتظر قرارات المؤتمرات، ولا تلتزم بسرعة دوران ثابتة، بينما تحاول البشرية منذ عقود ضبط الزمن وفق معايير دقيقة. والمفارقة أن ما قد يبدو مجرد ثانية عابرة على ساعة معلقة فوق جدار يمكن، في عالم شديد الاعتماد على التكنولوجيا، أن يصبح لحظة قادرة على إرباك أنظمة بأكملها.
والآن، بينما تستعد دول العالم للبحث عن صيغة جديدة لضبط علاقة الإنسان بالزمن، يبقى السؤال الأكثر إثارة: هل ستنجح البشرية في إعادة ضبط ساعاتها قبل أن تفرض الأرض إيقاعها الخاص على العالم؟
06/10/2026