kawalisrif@hotmail.com

كوريا الجنوبية تختبر طريقاً بحرياً جديداً إلى أوروبا عبر القطب الشمالي متجاوزة قناة السويس

كوريا الجنوبية تختبر طريقاً بحرياً جديداً إلى أوروبا عبر القطب الشمالي متجاوزة قناة السويس

في خطوة قد تحمل تحولات استراتيجية في مستقبل النقل البحري والتجارة الدولية، نجحت كوريا الجنوبية في استكمال رحلة تجارية ذهاباً وإياباً بين آسيا وأوروبا عبر الطريق البحري الشمالي في المحيط المتجمد الشمالي، متجاوزة المسار التقليدي عبر قناة السويس، في تجربة تفتح الباب أمام إعادة التفكير في الطرق البحرية التي تربط الاقتصادات الكبرى حول العالم.

ووفقاً لما أوردته تقارير إعلامية، عادت سفينة الحاويات الكورية الجنوبية “بان ستار أكرو” إلى ميناء بوسان، جنوب شرقي البلاد، يوم الأحد، بعد رحلة بحرية استغرقت خمسين يوماً، انطلقت في الثاني والعشرين من غشت الماضي، وشكلت اختباراً عملياً لإمكانية اعتماد الممر القطبي بديلاً عن الطرق التجارية التقليدية.

وتكمن أهمية هذه الرحلة في قدرتها على تقليص مدة الإبحار نحو أوروبا بنحو الثلث، إذ تشير المعطيات إلى أن الطريق البحري الشمالي قد يوفر قرابة عشرة أيام مقارنة بالمسار المعتاد عبر قناة السويس، وهو فارق زمني مهم في قطاع النقل البحري، الذي تتأثر تكاليفه بمدة الرحلات واستهلاك الوقود والاضطرابات الجيوسياسية.

وخلال رحلتها، عبرت السفينة المياه القطبية، قبل التوقف في عدد من الموانئ الأوروبية، من بينها فيليكسستو البريطانية وروتردام الهولندية وغدانسك البولندية، ثم عادت إلى كوريا الجنوبية عبر المسار نفسه. وتراهن سيول على أن نجاح هذه التجربة قد يشكل خطوة أولى نحو تحويل ميناء بوسان إلى مركز لوجستي بحري عالمي، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي للبلاد وقدراتها الصناعية والتجارية المتقدمة.

وتندرج هذه الخطوة ضمن توجه كوري جنوبي يروم تطوير طرق جديدة لنقل البضائع إلى الأسواق الأوروبية، في ظل تزايد المخاطر التي تهدد الممرات البحرية التقليدية، بفعل التوترات الدولية والاضطرابات الأمنية التي قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن وتأخير وصول السلع. وتسعى السلطات الكورية الجنوبية إلى التمهيد لإطلاق خدمات منتظمة عبر الطريق القطبي بحلول عام 2030، مع مواصلة الرحلات التجريبية لتقييم جدواه الاقتصادية والتشغيلية.

غير أن نجاح الرحلة لا يعني أن الطريق الجديد أصبح جاهزاً لمنافسة قناة السويس على نطاق واسع؛ فالممر البحري الشمالي يظل مرتبطاً بالظروف المناخية الموسمية، كما أن الملاحة وسط الجليد تفرض تحديات تقنية ولوجستية، وقد تستدعي الاستعانة بكاسحات الجليد، فضلاً عن ارتفاع أقساط التأمين وتكاليف التشغيل وصعوبة ضمان انتظام الرحلات على مدار السنة.

وتبرز أيضاً إشكالية جيوسياسية لا تقل أهمية، بالنظر إلى أن الطريق يمر بمحاذاة السواحل الشمالية لروسيا، ما يجعل استخدامه مرتبطاً بحسابات سياسية وعقوبات غربية قد تؤثر في تعامل شركات الشحن مع موسكو، وتطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة هذا الممر على استقطاب الاستثمارات والخطوط التجارية الكبرى.

كما يثير توسيع الملاحة في المنطقة القطبية مخاوف بيئية، في ظل هشاشة النظام الإيكولوجي للمحيط المتجمد الشمالي، والتحذيرات من أن ارتفاع حركة السفن قد يزيد الضغط على البيئة القطبية ويساهم في تفاقم آثار التغير المناخي.

وبين الطموح الاقتصادي والعقبات المناخية والسياسية، تبدو الرحلة الكورية الجنوبية أكثر من مجرد تجربة بحرية ناجحة؛ إنها اختبار مبكر لمستقبل المنافسة على طرق التجارة العالمية، حيث لم يعد تقليص المسافة وحده كافياً لضمان التفوق، بل بات الرهان مرتبطاً بالقدرة على الجمع بين السرعة والكلفة والأمن والاستدامة.

فهل يشهد العالم خلال السنوات المقبلة تحولاً تدريجياً نحو الشمال، يجعل مياه القطب المتجمد ممراً تجارياً منافساً لقناة السويس، أم أن الجليد والحسابات الجيوسياسية سيحولان هذا الإنجاز إلى تجربة محدودة؟ ستكشف السنوات المقبلة ما إذا كان هذا المسار سيظل مجرد مغامرة بحرية استثنائية، أم سيتحول إلى واقع تجاري يعيد رسم خريطة الملاحة الدولية ويغيّر موازين المنافسة بين الممرات البحرية الكبرى.

11/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts