في اعتراف يحمل دلالات سياسية واقتصادية لافتة، حذّر ضابط إسباني متقاعد من مغبة اللجوء إلى الضغط الاقتصادي على المغرب، معتبراً أن أي محاولة لاستخدام المصالح التجارية والاستثمارات الإسبانية ورقةً للضغط على الرباط في ملف سبتة ومليلية المحتلتين قد تتحول إلى مغامرة مكلفة ترتد تداعياتها على الشركات الإسبانية نفسها، التي راكمت على مدى عقود حضوراً واسعاً في قطاعات استراتيجية داخل المملكة.
وكشف العقيد المتقاعد من القوات البرية الإسبانية، خافيير سالدانيا ساغريدو، عن حجم الترابط الاقتصادي بين البلدين، في وقت تتصاعد فيه بعض الأصوات الإسبانية الداعية إلى اعتماد خيارات تصعيدية في مواجهة المغرب. وخلص إلى أن المصالح الإسبانية المتجذرة في السوق المغربية تجعل من العقوبات الاقتصادية خياراً محفوفاً بالمخاطر، لا سيما أن إسبانيا تعد الشريك التجاري الأول للمغرب منذ عام 2012.
ووفقاً للمعطيات الواردة في مقال صحفي إسباني، بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين مستوى قياسياً وصل إلى 22 ملياراً و757 مليون يورو خلال عام 2025، فيما سجلت إسبانيا فائضاً تجارياً بقيمة مليار و901 مليون يورو. وتعكس هذه الأرقام أن العلاقة مع المغرب لم تعد مجرد ملف دبلوماسي قابل للتوظيف في الحسابات السياسية الظرفية، بل أصبحت ركيزة لمصالح اقتصادية واسعة يصعب التفريط فيها دون تحمل كلفة مباشرة.
وتتجاوز هذه المصالح المبادلات التجارية التقليدية لتشمل قطاعات حيوية، من الطاقة والغاز إلى تحلية المياه والسكك الحديدية والمطارات والصناعات الكيماوية والطاقات المتجددة، فضلاً عن مشاريع الهيدروجين الأخضر التي يراهن عليها المغرب لتعزيز موقعه في خريطة الطاقة المستقبلية.
وفي قطاع الطاقة، يبرز المقال أهمية محطة تهضارت قرب طنجة، التي تمتلك شركة “إنديسا”، عبر “إينيل”، حصة تبلغ 32 في المائة من رأسمالها. وتعتمد المحطة على الغاز الطبيعي المسال الذي يصل إلى المغرب عبر البنية التحتية الإسبانية، من خلال آلية التدفق العكسي لأنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، بعدما أوقفت الجزائر إمداداتها عبر هذا الخط سنة 2021.
ويعكس هذا النموذج حجم الترابط الطاقي بين البلدين، إذ أصبحت البنية التحتية الإسبانية قناة أساسية لتأمين جزء من احتياجات المغرب من الغاز، في وقت تستفيد فيه الشركات الإسبانية من استمرار نشاطها داخل السوق المغربية. كما يشير المقال إلى حضور شركة “أبينغوا”، التي تولت تصميم وبناء محطة عين بني مطهر، قبل انتقال وحداتها الإنتاجية إلى شركة “كوكس” سنة 2023، بما يبرز استمرار المصالح الإسبانية في منشآت استراتيجية داخل المملكة.
وفي مجال النقل والتكنولوجيا، تستفيد شركة “إندرا” من عقود مرتبطة بتحديث أنظمة مراقبة الحركة الجوية بالمطارات المغربية، إلى جانب مشاريع سابقة لتزويد المملكة بالرادارات وتطوير شبكات الاتصالات الجوية. كما وضعت الشركة منصة “دافينشي” لتدبير حركة القطارات لدى المكتب الوطني للسكك الحديدية، وهي المنصة التي تستخدمها أيضاً المؤسسة الإسبانية المكلفة بالبنية التحتية للسكك الحديدية.
أما في القطاع الصناعي، فيسلط المقال الضوء على التعاون بين شركة “إينتيكسا إندستريال”، التابعة لمجموعة “إيه سي إس”، ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، حيث فازت الشركة الإسبانية بعقود بقيمة 255 مليون يورو لتصميم وبناء وتشغيل وحدتين لإنتاج حمض الكبريتيك بالجرف الأصفر. ويشكل ذلك مثالاً إضافياً على استفادة الشركات الإسبانية من المشاريع الصناعية الكبرى التي يقودها المغرب لتعزيز قدراته الإنتاجية وتطوير سلاسله الصناعية.
وفي مجال الأمن المائي، تتضح أهمية السوق المغربية بالنظر إلى حجم المشاريع التي تحتضنها المملكة بمساهمة شركات إسبانية. فشركة “ألمار ووتر سولوشنز” تنشط في مجال إعادة استعمال المياه بأكادير، بينما شاركت شركات إسبانية في تطوير مشاريع كبرى لتحلية مياه البحر، من بينها منشآت توفر المياه الصالحة للشرب وتدعم النشاط الفلاحي.
كما تعمل شركة “أكسيونا” على مشروع محطة تحلية مياه الدار البيضاء الكبرى، باستثمار يناهز 613 مليون يورو، وبطاقة إنتاجية أولية مرتقبة تبلغ 559 ألف متر مكعب يومياً، إلى جانب مشاركتها في محطة معالجة المياه بأم عزة، التي تزود نحو مليوني شخص بالماء الصالح للشرب، وفق الأرقام الواردة في المقال.
ولا يقل قطاع الطاقات المتجددة أهمية عن بقية المجالات، إذ يبرز المقال مشروعاً لإنتاج الطاقة الريحية بقدرة إجمالية تبلغ 850 ميغاواط، بمشاركة “إينيل غرين باور” و”ناريفا” و”سيمنس”، فضلاً عن مشاريع أخرى تستهدف تطوير الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء والوقود الصناعي. وتكشف هذه الاستثمارات أن المغرب بات يشكل فضاءً استراتيجياً للشركات الباحثة عن فرص النمو في الأسواق المرتبطة بالتحول الطاقي العالمي.
وتكتسب هذه المعطيات أهميتها من كونها تضع النقاش الإسباني حول الضغط الاقتصادي أمام اختبار المصالح الفعلية، بعيداً عن الشعارات السياسية التي ترتفع كلما تجدد التوتر بشأن سبتة ومليلية المحتلتين. فحين تمتد الاستثمارات إلى قطاعات ترتبط بالطاقة والمياه والنقل والصناعة، يصبح التهديد بعرقلة العلاقات الاقتصادية أكثر تعقيداً من مجرد تصريح سياسي، لأنه يضع الشركات الإسبانية نفسها أمام مخاطر فقدان الأسواق والعقود والفرص المستقبلية.
وفي هذا السياق، يستحضر الكاتب انقطاع الكهرباء الذي شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية يوم 28 أبريل 2025، مشيراً إلى أن إسبانيا تلقت خلاله الكهرباء من المغرب، في مثال يعكس أن العلاقات الطاقية بين البلدين لا تسير في اتجاه واحد، رغم كون إسبانيا مصدراً صافياً للكهرباء نحو المملكة، وفق المعطيات التي أوردها المقال.
ويحذر العقيد الإسباني المتقاعد من أن اتخاذ إجراءات انتقامية تستهدف المبادلات التجارية أو الإمدادات الطاقية لن يكون بالضرورة وسيلة ناجعة للتأثير في قرارات الرباط، بل قد يضر بمصالح الشركات الإسبانية ويقوض المكانة التي راكمتها داخل السوق المغربية. ولذلك، يدعو إلى اعتماد مقاربة أكثر حذراً، تقوم على الوسائل السياسية والدبلوماسية بدل تحويل المصالح الاقتصادية إلى سلاح في نزاع سياسي مفتوح.
وتكشف هذه القراءة، في العمق، أن المغرب لم يعد مجرد سوق مجاورة أو امتداد اقتصادي محدود بالنسبة إلى إسبانيا، بل أصبح شريكاً استراتيجياً تتقاطع معه مصالح قطاعات واسعة من الاقتصاد الإسباني. فالمملكة، التي تستقطب الاستثمارات وتطور بنيتها التحتية وتوسع مشاريعها في الطاقة والمياه والصناعة، باتت تفرض نفسها رقماً أساسياً في الحسابات الاقتصادية الإقليمية، وهو واقع يصعب تجاهله مهما ارتفعت حدة الخطاب السياسي.
واللافت أن هذا التحذير يأتي من ضابط متقاعد من القوات البرية الإسبانية، وليس من جهة اقتصادية مغربية أو من طرف يسعى إلى الدفاع عن مصالح الرباط. وهو ما يمنح هذه القراءة دلالة إضافية، باعتبارها تعكس إدراكاً لدى بعض الأوساط الإسبانية بأن منطق التصعيد لا يمكن فصله عن كلفته الاقتصادية، وأن استهداف المغرب بإجراءات عقابية قد ينتهي إلى الإضرار بالمصالح الإسبانية قبل أن يحقق أهدافه المعلنة.
وفي المحصلة، تبدو الرسالة واضحة: العلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تُختزل في التوترات الظرفية أو الحسابات المرتبطة بسبتة ومليلية المحتلتين. فالمصالح المتشابكة والاستثمارات الممتدة والرهانات المستقبلية تجعل من الحوار والتعاون خياراً أكثر واقعية من التهديد والضغط، وتؤكد أن أي محاولة للتعامل مع المغرب بمنطق الإملاء الاقتصادي تصطدم بواقع شراكة باتت لها أبعاد استراتيجية يصعب تجاوزها بسهولة.
21/10/2026