kawalisrif@hotmail.com

مدريد تغيّر جنرالاتها في مليلية المحتلة.. تدوير القيادات العسكرية لا يغيّر حقيقة الجغرافيا ولا يبدّد أسئلة السيادة!

مدريد تغيّر جنرالاتها في مليلية المحتلة.. تدوير القيادات العسكرية لا يغيّر حقيقة الجغرافيا ولا يبدّد أسئلة السيادة!

في مشهد عسكري يحمل أكثر من دلالة، استقبلت قاعدة “ألفونسو الثالث عشر” بمليلية المحتلة، الجمعة 23 أكتوبر، جنرالاً إسبانياً جديداً على رأس القيادة العامة العسكرية بالمدينة، بحضور وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، في مراسم رسمية توحي بأن مدريد تحرص على إبقاء المؤسسة العسكرية في الواجهة، وكأن تغيير الأسماء والرتب كفيل بمنح حضورها في الثغر المغربي المحتل جرعة إضافية من الثقة والاطمئنان.

ويتعلق الأمر باللواء فرناندو رويز غوميز، الذي تسلّم مهامه خلفاً للجنرال لويس كورتيس ديلغادو، بعدما انتقل الأخير إلى وضعية الاحتياط، منهياً فترة قاربت ثلاث سنوات على رأس اللواء العاشر “غوزمان إل بوينو”، المتمركز بقاعدة سيرو موريانو في إقليم قرطبة. أما الجنرال الجديد، فقد راكم تجربة عسكرية شملت وحدات المشاة والجبال وهيئات الأركان ومركز استخبارات القوات المسلحة، فضلاً عن مشاركته في مهام دولية بعدد من البلدان.

لكن مدريد، التي تحرص على تقديم هذه التعيينات باعتبارها إجراءات اعتيادية في مسار المؤسسة العسكرية، تبدو حريصة أيضاً على إظهار انتظام حضورها العسكري في مليلية، في توقيت لا تزال فيه قضية الثغرين المغربيين المحتلين، سبتة ومليلية، تطرح أسئلة السيادة والتاريخ والجغرافيا التي لا تستطيع المراسيم العسكرية تجاوزها، مهما ارتفعت الرتب أو تعددت الأوسمة.

واللافت أن مراسم تسلّم القيادة جرت بحضور وزيرة الدفاع الإسبانية، في ثالث زيارة رسمية لها إلى مليلية خلال الولاية التشريعية الحالية، بعدما زارت المدينة في أبريل وغشت 2024. وكانت زيارتها الثانية قد شملت الجزر الجعفرية برأس كبدانة، وصخرتي النكور وباديس بالحسيمة، وهي مواقع تندرج ضمن المجال البحري المحيط بالسواحل المغربية، وتكتسي أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعها الجغرافي وحساسيتها في العلاقات المغربية الإسبانية.

أما الجنرال الجديد، الذي صادق مجلس الوزراء الإسباني على ترقيته إلى رتبة لواء في 13 أكتوبر الجاري، فقد تولى خلال انتشاره في لبنان سنة 2024 قيادة اللواء العاشر، كما أشرف على القطاع الشرقي للقوة المؤقتة للأمم المتحدة، بمسؤولية شملت عسكريين من عشر دول. وهي تجربة تسوّقها المؤسسة العسكرية الإسبانية باعتبارها مؤهلاً لقيادة واحدة من أبرز قياداتها خارج شبه الجزيرة الإيبيرية.

غير أن الخبرة في إدارة الوحدات العسكرية والعمليات الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا تمنح أصحابها صكوكاً لتغيير الحقائق التاريخية والجغرافية، ولا تحوّل استمرار الوجود العسكري إلى حجة كافية لحسم نزاع السيادة في الوعي السياسي والشعبي. فالجغرافيا لا تتبدل بتغيير القادة، والتاريخ لا يخضع لمراسيم التعيين، كما أن القضايا العالقة بين الدول لا تُحسم باستعراض الرتب والأزياء العسكرية.

وبينما تنشغل مدريد بتدبير انتقال القيادة من جنرال إلى آخر، يبقى التحدي الحقيقي أوسع من مجرد ضمان استمرارية التسلسل العسكري داخل مليلية المحتلة. إنه يتعلق بقدرة إسبانيا على التعامل بواقعية مع محيطها المغربي، بعيداً عن منطق الاطمئنان إلى الأمر الواقع، أو الاعتقاد بأن انتظام المؤسسات العسكرية كافٍ لإغلاق ملفات السيادة التي ظلت حاضرة في العلاقات بين البلدين.

وهكذا، قد يتغير الجنرال، وتتبدل الرتب، وتُرفع التحيات العسكرية أمام المنصات الرسمية، لكن شيئاً واحداً لا يتغير بهذه الطقوس: الجغرافيا لا تقرأ بيانات التعيين، والتاريخ لا يتقاعد بإحالة جنرال إلى الاحتياط. أما الرهان على أن تدوير القيادات قادر وحده على تبديد أسئلة السيادة، فليس سوى محاولة لتجميل واقع أكثر تعقيداً من أن تحسمه مراسم عسكرية أنيقة.

وفي النهاية، تستطيع مدريد أن تستبدل جنرالاً بآخر، وأن ترفع رتب الضباط، وتُحكم بروتوكولات الاستقبال، وتُكثر من المراسم العسكرية، لكنها لن تستطيع ترقية الجغرافيا إلى رتبة إسبانية، ولا إحالة التاريخ إلى التقاعد، ولا إصدار مرسوم ملكي يقضي باختفاء أسئلة السيادة من ذاكرة المغرب. فمليلية ليست ثكنة معلّقة خارج الزمن، ولا قضية يمكن طيّها بتغيير المسؤولين وتبادل التحيات العسكرية.

والأكثر سخرية أن تنشغل إسبانيا بتدوير جنرالاتها، وكأن المشكلة في هوية من يتولى القيادة، لا في واقع سياسي وتاريخي لم تنجح عقود من إدارة الأمر الواقع في محو أسئلته. قد يتقاعد الجنرال، وقد يتسلم خلفه الراية، لكن السيادة لا تتقاعد، والتاريخ لا يرتدي البزة العسكرية، والجغرافيا لا تنحني أمام منصة التحية!

23/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts