تواجه منظومة السكك الحديدية في إسبانيا موجة متصاعدة من التساؤلات بشأن معايير السلامة ونجاعة أنظمة المراقبة والتواصل، بعدما شهدت البلاد حادثين خطيرين خلال تسعة أشهر، خلّفا أكثر من 100 قتيل، في وقت تكشف فيه معطيات رسمية أن كثافة حركة القطارات الإسبانية لا تزال أقل من نظيرتها في فرنسا وإيطاليا.
وأعادت الكارثة التي شهدتها بلدة أوردا بإقليم طليطلة، الأربعاء، النقاش حول مدى قدرة البنية التحتية السككية الإسبانية على ضمان سلامة المسافرين، خصوصا في ظل مؤشرات على احتمال وجود اختلالات في تدبير حركة القطارات والتعامل مع الأعطال التقنية.
وبحسب المعطيات المتاحة، أكدت اللجنة الوطنية للأسواق والمنافسة، في تقرير نشرته خلال شتنبر 2025، وجود هامش لزيادة استغلال البنية التحتية السككية، مشيرة إلى أن حركة القطارات في إسبانيا لا تزال أقل كثافة من نظيرتها في عدد من البلدان الأوروبية.
وأوضح التقرير أن شبكة القطارات فائقة السرعة في إسبانيا تسجل 58 رحلة يوميا لكل كيلومتر من الشبكة، مقابل 96 رحلة في فرنسا و248 رحلة في إيطاليا، رغم توفر إسبانيا على شبكة سككية يبلغ طولها 15 ألفا و519 كيلومترا، تشرف على إدارتها شركتا “أديف” و”أديف ألتا فيلوكيداد”.
كما رصدت الهيئة ارتفاعا بنسبة 42 في المائة في استخدام شبكة القطارات فائقة السرعة بين عامي 2019 و2024، تزامنا مع دخول ثلاثة مشغلين إلى السوق، بينما سجل الخط الرابط بين مدريد ومنطقة ليفانتي زيادة بلغت 80 في المائة خلال خمس سنوات. وفي المقابل، لم تتجاوز الزيادة في بعض الخطوط الشمالية وخطوط غاليسيا، التي لم تعرف دخول مشغلين خواص، نسبة 3 في المائة.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة في سياق الجدل الذي أعقب الحوادث الأخيرة، إذ إن انخفاض كثافة حركة القطارات مقارنة بدول أوروبية أخرى لا يعفي السلطات من ضرورة تفسير أسباب تكرار الكوارث، ولا سيما ما يتعلق بفعالية أنظمة السلامة والصيانة والتنسيق بين مراكز المراقبة والسائقين.
وكانت إسبانيا قد شهدت، في 18 يناير الماضي، حادثا مأساويا ببلدة أداموز في إقليم قرطبة، أسفر عن وفاة 46 شخصا، بعدما خرج قطار تابع لشركة “إيريو” عن السكة واصطدم بقطار “ألفيا” قادم في الاتجاه المعاكس. وأثار الحادث انتقادات بشأن التواصل بين الجهات المعنية، بعدما تحدث التقرير عن تأخر رصد القطار الثاني لنحو نصف ساعة، رغم توفر معلومات تفيد بوقوع حادث مرتبط بالقطار الأول.
أما حادث أوردا، فقد أعاد هذه المخاوف إلى الواجهة، بعدما اصطدم قطار فائق السرعة تابع لشركة “رينفي” بقطار “إيريو” كان متوقفا على السكة. وأوردت تقارير إعلامية، في حصيلة أولية، سقوط 68 قتيلا و68 مصابا، مع تحذيرات من احتمال ارتفاع عدد الضحايا.
ووفق المعطيات التي نقلها التقرير، وقع الحادث عقب تعطل نظام السلامة المعروف باسم “LZB”، ما دفع مركز مراقبة حركة القطارات بمحطة أتوتشا في مدريد إلى تولي تدبير الحركة. وفي هذا السياق، وصف وزير النقل أوسكار بوينتي بعض القرارات المتخذة بأنها “لا يمكن تفسيرها”، مشيرا إلى أن القطار الذي اصطدم بقطار “إيريو” كان يتعين عليه التوقف، وأن الوثائق المتاحة لم تكن تسمح له باستئناف السير بصورة عادية.
وتضع هذه المعطيات السلطات الإسبانية أمام أسئلة تتجاوز مجرد تحديد الأسباب التقنية المباشرة للحادث، لتشمل مسؤولية الجهات المشرفة على الشبكة، ومدى الالتزام بإجراءات السلامة، وفعالية أنظمة الإنذار والتواصل في اللحظات الحرجة. كما تبرز الحاجة إلى مراجعة آليات الصيانة والمراقبة والتدخل عند تعطل الأنظمة التي يفترض أن تمنع وقوع مثل هذه الاصطدامات.
وفي انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات بشأن حادث أوردا، تتزايد الضغوط من أجل تقديم أجوبة واضحة للرأي العام الإسباني، خصوصا أن تكرار الحوادث المميتة خلال فترة قصيرة يضع الثقة في النقل السككي أمام اختبار صعب.
فإذا كانت إسبانيا تتوفر على شبكة واسعة للقطارات فائقة السرعة، وكانت المعطيات الرسمية تشير إلى إمكانية زيادة استغلالها، فإن الأولوية التي تفرضها الكوارث الأخيرة لا ينبغي أن تقتصر على رفع عدد الرحلات أو تحسين مردودية البنية التحتية، بل يجب أن تبدأ بضمان سلامة المسافرين ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير تثبته التحقيقات، حتى لا تتحول سرعة القطارات إلى مصدر للخطر بدل أن تكون عنوانا للتقدم والحداثة.
29/10/2026