رئيس أركان الدفاع الإسباني السابق يطالب باستعادة الروح القتالية وإحياء الخدمة العسكرية الإجبارية، ويصور أحداث سبتة باعتبارها تهديداً وجودياً، في خطاب يكشف استمرار الارتهان لمنطق المواجهة، بدل مراجعة إرث الاستعمار والحسابات السياسية المتعثرة.
في مقال مثير نشره موقع إسباني متخصص في الشؤون العسكرية والدفاعية، اختار الجنرال المتقاعد فرناندو أليخاندري مارتينيز، الرئيس السابق لأركان الدفاع الإسباني، فتح جبهة جديدة من الجدل حول السيادة الوطنية، مستحضراً المغرب ومدينة سبتة المحتلة في سياق تحذيرات مشحونة بمفردات الاجتياح والتهديد الوجودي، وكأن الأزمات العميقة التي تعيشها إسبانيا لا تجد تفسيراً إلا في البحث عن خطر خارجي تُعلّق عليه إخفاقاتها الداخلية.
المثير في هذا المقال أن صاحبه لا يكتفي بتشخيص تراجع الروح الوطنية داخل المجتمع الإسباني، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، محاولاً تحويل أحداث العبور الجماعي التي شهدتها سبتة إلى ما يشبه اختباراً عسكرياً للسيادة الإسبانية، ومقدماً عدم اللجوء إلى القوات المسلحة باعتباره دليلاً على ضعف الدولة وعجزها عن الدفاع عن أراضيها.
وبلغة لا تخلو من النزعة العسكرية المتشددة، ينتقد الجنرال السابق موقف الحكومة الإسبانية من أحداث سبتة، معتبراً أن رئيس الوزراء كان منشغلاً بسلامة المهاجرين الذين يصفهم بالمقتحمين، أكثر من انشغاله بالدفاع عن السيادة الإسبانية. كما يلمّح إلى أن نشر وحدة من الفيلق الإسباني في منطقة تاراخال كان من شأنه منع سقوط عدد كبير من الضحايا، في طرح يثير أسئلة جدية بشأن حدود المسؤولية العسكرية والأخلاقية، ومدى استعداد بعض الأصوات داخل المؤسسة العسكرية للتعامل مع أزمة إنسانية بمنطق الردع المسلح.
لكن السؤال الذي يتجنب المقال مواجهته هو: هل تتحول كل أزمة على الحدود إلى مبرر لاستعراض القوة العسكرية؟ وهل يكفي أن يرفع جنرال متقاعد شعار السيادة حتى تصبح كل الخيارات الأمنية والعسكرية مبررة، من دون نقاش في الأسباب السياسية والإنسانية والقانونية للأحداث؟
والأكثر إثارة أن صاحب المقال يستحضر أرقاماً تتحدث عن سقوط أكثر من 130 قتيلاً خلال أحداث العبور، ليجعل منها جزءاً من حجته بشأن ضرورة استعادة الردع العسكري. وهنا تتجلى المفارقة القاسية: فبدل أن تكون هذه المأساة مناسبة لمراجعة السياسات الحدودية والبحث عن حلول تحول دون تكرار الكوارث الإنسانية، تتحول في الخطاب العسكري المتشدد إلى مادة للمقارنة بين حجم الخسائر المحتملة وفعالية نشر القوات المسلحة.
غير أن أخطر ما يكشفه المقال ليس فقط موقف صاحبه من أحداث سبتة، بل الطريقة التي يحاول بها إعادة تعريف التهديدات التي تواجه إسبانيا، من خلال الجمع بين المخاوف المرتبطة بالمغرب، والنزعات الانفصالية الداخلية، والاتحاد الأوروبي، وتراجع التصنيع، وضعف الاعتزاز الوطني، ضمن سردية واحدة توحي بأن البلاد محاصرة من جميع الجهات.
فالجنرال الذي يتحدث مطولاً عن تراجع الوطنية الإسبانية، يشير إلى أن أقل من نصف الإسبان يرون مبرراً لاستخدام القوة العسكرية للدفاع عن سبتة، وأن نسبة الذين يعتبرون الأمن الوطني أولوية لا تتجاوز، بحسب التقرير الذي يستشهد به، ستة في المائة. كما يستحضر استطلاعات سابقة تتحدث عن تراجع الاعتزاز بالعلم والنشيد الوطني، وانخفاض الاستعداد للتضحية بالحياة دفاعاً عن البلاد.
هذه الأرقام والمعطيات التي يستند إليها تكشف، وفق تشخيصه، أزمة ثقة داخلية عميقة، لكنها لا تمنح صاحب المقال الحق في جعل المغرب خلفية دائمة لكل نقاش إسباني حول السيادة والهوية والأمن.
فبدلاً من الاعتراف بأن إسبانيا تواجه مشكلات بنيوية مرتبطة بالتفاوتات الاجتماعية، وأزمة السكن، والبطالة، والفساد، وتراجع الثقة في المؤسسات، يفضل الخطاب الذي يتبناه الجنرال البحث عن وصفة عسكرية لاستعادة الشعور الوطني، وكأن إعادة الخدمة العسكرية الإجبارية أو نشر الجنود على الحدود سيعيدان تلقائياً بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها.
واللافت أيضاً أن المقال يهاجم نظام الحكم الذاتي الإسباني، ويحمله مسؤولية تفكيك القرار المركزي وإضعاف الدولة، قبل أن ينتقل إلى انتقاد الاتحاد الأوروبي، متهماً إياه باستنزاف السيادة الإسبانية وإضعاف قطاعاتها الصناعية والزراعية. وهكذا يقدم الجنرال تشخيصاً لأزمة إسبانية متعددة الأوجه، لكنه يعود في نهاية المطاف إلى سبتة ليضعها في قلب معادلة الخوف من فقدان السيادة.
أما حين يتعلق الأمر بالمغرب، فإن الإشكال الحقيقي في هذا الخطاب يكمن في تجاهله للسياق التاريخي والسياسي الذي يجعل ملف سبتة ومليلية مختلفاً عن أي نقاش حدودي عادي. فالمغرب لا يحتاج إلى دروس في مفهوم السيادة من أصوات عسكرية تتعامل مع استمرار السيطرة الإسبانية على الثغرين المحتلين باعتباره أمراً خارج النقاش، بينما تطالب في الوقت نفسه باحترام السيادة الإسبانية باعتبارها مبدأً مقدساً لا يقبل المراجعة.
وهنا تبرز ازدواجية المعايير بوضوح: السيادة الإسبانية تُقدَّم باعتبارها خطاً أحمر يستوجب التعبئة الوطنية والعسكرية، بينما يُراد من المغرب أن يتعامل مع إرث تاريخي وجغرافي وسياسي معقد وكأنه ملف مغلق لا يجوز الاقتراب منه. فأي منطق هذا الذي يمنح السيادة حصانة مطلقة عندما يتعلق الأمر بإسبانيا، ويستكثر على المغرب حق إثارة قضاياه الوطنية والتاريخية؟
والأكثر دلالة أن المقال يستحضر الكاتب المغربي الطاهر بن جلون، منتقداً ما يعتبره خلطاً بين الجغرافيا والسيادة، لكنه لا يقدم نقاشاً متوازناً حول الخلفية التاريخية والسياسية للثغرين المغربيين، ولا يتعامل مع وجهة النظر المغربية باعتبارها موقفاً وطنياً مشروعاً يستحق النقاش، بل يضعها منذ البداية في خانة الادعاءات التي يصفها بالتضليل.
إن اختزال ملف سبتة ومليلية في حسابات عسكرية وأرقام تتعلق بالاستعداد للقتال لا يغير حقيقة أن القضايا المرتبطة بالسيادة والتاريخ لا تُحسم بالصوت المرتفع ولا باستدعاء وحدات الفيلق الإسباني. كما أن تكرار الحديث عن التهديدات الخارجية لا يمنح أي طرف الحق في تحويل مخاوفه الداخلية إلى اتهامات سياسية موجهة ضد جيرانه.
وفي مفارقة أخرى، يدعو الجنرال السابق إلى استعادة الخدمة العسكرية الإجبارية، ويعتبر إلغاءها أحد أسباب تراجع الروح الوطنية، بينما يكشف النقاش الدائر داخل إسبانيا نفسها أن مفهوم الوطنية لم يعد موضع إجماع، وأن رفع الأعلام وترديد الشعارات لا يكفيان لمعالجة أزمة اجتماعية وسياسية واقتصادية متراكمة.
بل إن التعليقات التي رافقت المقال على الموقع نفسه تكشف انقساماً داخل الرأي العام الإسباني بشأن أطروحاته؛ فبين من يطالب بإعادة التجنيد الإجباري، ومن يتهم المنظومة التعليمية بالتقصير، ومن يرد على خطاب الوطنية بالتذكير بأزمة السكن والفوارق الاجتماعية وامتيازات النخب، يتضح أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد غياب الاستعداد لحمل السلاح.
والحقيقة أن إسبانيا التي تبحث عن استعادة كبريائها الوطني مطالبة أولاً بمراجعة تناقضاتها وبناء علاقة متوازنة مع محيطها، وفي مقدمته المغرب، الذي لم يعد مجرد جار يمكن التعامل معه بمنطق الوصاية أو استدعاء الذاكرة العسكرية كلما ارتفعت حدة النقاش حول سبتة ومليلية.
فالمغرب اليوم يراكم خياراته الاستراتيجية والاقتصادية والدفاعية، ويعزز حضوره الإقليمي والدولي، وينسج شراكات متقدمة مع قوى دولية متعددة، في وقت تفرض فيه التحولات الجيوسياسية على مدريد التعامل مع الرباط باعتبارها شريكاً أساسياً، لا يمكن تجاوز مصالحه أو تجاهل حساباته الوطنية.
وفي النهاية، يبدو أن أخطر ما في مقال الجنرال الإسباني ليس اعترافه بتراجع الروح الوطنية داخل بلاده، بل محاولته تقديم عسكرة الوعي الجماعي باعتبارها العلاج السحري لأزمة سياسية ومؤسساتية واجتماعية، مع استحضار المغرب وسبتة كلما احتاجت هذه السردية إلى خلفية خارجية لتغذية خطاب الخوف.
فإذا كانت السيادة الإسبانية، كما يعترف الجنرال السابق، لا تجد من يدافع عنها داخل إسبانيا، فالمشكلة ليست في المغرب، ولا في حق المغاربة في التمسك بقضاياهم الوطنية، بل في أزمة داخلية تبحث عن شماعة خارج الحدود. أما تحويل سبتة المحتلة إلى ذريعة لإحياء خطاب عسكري متوتر، فلن يغير الحقائق التاريخية، ولن يجعل من منطق القوة بديلاً عن منطق السياسة، ولن يمنح الاحتلال حصانة أبدية من أسئلة التاريخ والجغرافيا.
31/10/2026