يعود ملف جمعية “أزهار السكنية” إلى واجهة المشهد القضائي بمدينة وجدة، غداً الخميس 5 نونبر، حيث يمثل المتابعين في الملف للمرة الثالثة أمام القضاء، في قضية عقارية ثقيلة تتسع دائرة تداعياتها مع انضمام مزيد من المتضررين الذين يطالبون بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الأموال التي دفعوها مقابل مشاريع سكنية لم تر النور.
ويأتي عرض القضية من جديد بعد تأجيل سابق منح للمتهمين فرصة إعداد الدفاع، إلى جانب إتاحة المجال أمام ضحايا آخرين للالتحاق بالملف والمطالبة بحقوقهم، في تطور يعكس حجم القضية وتشعب خيوطها، خاصة في ظل تعدد الشكايات والاتهامات المرتبطة بطريقة تسويق المشاريع السكنية المعنية.
وتواجه مجموعة من المتهمين في مقدمتهم المقاول المثير للجدل صلاح الدين المومني، متابعات قضائية تتعلق بالنصب والمشاركة في النصب والاحتيال، وعدم تنفيذ عقد وخيانة الأمانة، وهي التهم التي وجهتها النيابة العامة .
وكانت النيابة العامة قد قررت إحالة المقاول صلاح الدين المومني، وصهره خالد الإدريسي، الرئيس السابق لجمعية أزهار السكنية، والرئيسة الحالية للجمعية إكرام موسى، وأمين المال أنس كاوي، على القضاء المختص، مع إيداعهم السجن المحلي في إطار الإجراءات القضائية المرتبطة بهذه القضية ، فيما تمت متابعة إبن خالد الإدريسي ومهندس معماري في حالة سراح مؤقت .
وتتمحور الوقائع التي فجرت هذا الملف حول تسويق وبيع مشاريع سكنية كشفت الأبحاث بشأنها عن معطيات بالغة الخطورة، تتعلق بوجود مشاريع جرى تقديمها للمواطنين باعتبارها مشاريع عقارية قابلة للإنجاز، بينما أظهرت المعطيات المرتبطة بالتحقيق أنها لم تكن تستند إلى وضعية عقارية واضحة، وأن التصاميم الهندسية التي جرى اعتمادها في تقديم تلك المشاريع ظلت مجرد تصاميم على الورق، دون توفر الجمعية على قطع أرضية مملوكة لها ومخصصة لإنجاز البنايات الموعودة.
وأمام هذه الوقائع، اعتبرت النيابة العامة، استناداً إلى نتائج الأبحاث المنجزة، أن العناصر القانونية لجنحة النصب متوفرة في حق بعض المتهمين، وهو التوجه الذي عززه تقرير الشرطة القضائية المعتمد ضمن المعطيات التي استندت إليها المتابعة، على أن يبقى الحسم النهائي في ثبوت الأفعال وتحديد المسؤوليات من الاختصاص الحصري للمحكمة.
وفي خضم هذه التطورات، تبرز بقوة المواقف الصحفية السابقة لجريدة “كواليس الريف” ، التي سبق لها أن فتحت هذا الملف من خلال بحث استقصائي حذرت فيه من خطورة تسويق مشاريع عقارية دون أسس عقارية وقانونية واضحة، وكشفت عن معطيات ووثائق وشواهد ملكية مرتبطة بالعقارات التي جرى تقديمها باعتبارها أوعية عقارية للمشاريع السكنية الوهمية بزعم تشييدها.
وقد أظهرت الوثائق التي نشرتها الجريدة، وفق نتائج البحث الاستقصائي الذي أنجزته، أن العقارات المعنية مسجلة في ملكية أشخاص آخرين لا تربطهم علاقة بجمعية أزهار السكنية، وهو ما وضع علامات استفهام كبيرة حول الأساس القانوني الذي اعتمد في تسويق تلك المشاريع، وحول مدى توفر الجمعية على الحقوق العقارية اللازمة لتنفيذ الالتزامات التي قدمتها للمواطنين.
ولم تقف تداعيات هذه القضية عند حدود كشف الاختلالات المرتبطة بالمشاريع، بل دفعت المعطيات التي ظهرت إلى تحرك عدد من المتضررين وتقديم شكايات رسمية إلى الجهات المختصة ضد المقاول وصهره وباقي المعنيين، مطالبين بفتح تحقيق شامل في ظروف تسويق المشاريع، وتحديد مصير الأموال التي سلموها مقابل الحصول على مساكن لم يتم إنجازها وفق الوعود المقدمة لهم.
وقد انتهت الأبحاث القضائية إلى اتخاذ إجراءات قانونية في حق عدد من المشتكى بهم، لتتحول القضية إلى ملف جنائي يثير اهتماماً واسعاً، بالنظر إلى طبيعة الاتهامات وحجم المطالب المرتبطة بإنصاف المتضررين واسترجاع حقوقهم.
غير أن الجانب الأكثر حساسية في هذا الملف يتجاوز مسألة المشاريع السكنية المتعثرة، ليصل إلى سؤال جوهري يتعلق بمصير الأموال التي جرى تحصيلها من المواطنين، والوجهة التي انتهت إليها المبالغ المالية التي دفعت في إطار هذه العمليات العقارية.
وفي هذا الإطار، توصلت جريدة “كواليس الريف” ، من خلال البحث الاستقصائي الذي أنجزته، إلى وثائق وشواهد ملكية تتعلق بعقارات وشركات تعود إلى زوجة المقاول، من بينها ممتلكات تم تملكها، وفق المعطيات والوثائق المتوفرة لدى الجريدة، بعد إبرام عقد الزواج سنة 2025.
وتفتح هذه الوثائق زاوية جديدة في القضية، خصوصاً فيما يتعلق بالتوقيت الذي تم فيه تملك بعض هذه الممتلكات، ومصادر الأموال التي استُخدمت في اقتنائها، وطبيعة المعاملات والتحويلات المالية المرتبطة بها، ومدى وجود أي صلة محتملة بينها وبين الأموال التي جمعها القائمون على المشاريع السكنية موضوع المتابعة.
إن خطورة هذه المعطيات تستدعي ضرورة إخضاعها للفحص والتدقيق المالي والقضائي، بما يسمح بتحديد مصادر الأموال، وتتبع مساراتها، والتحقق من طبيعة انتقال الممتلكات وتوقيت تملكها، دون استباق نتائج أي بحث أو الجزم بوجود مسؤولية جنائية قبل صدور قرار قضائي.
كما يطرح الملف إمكانية التحقق من وجود شبهة غسل الأموال أو إخفاء متحصلات من جنحة أو جناية، وهي مسائل تظل من اختصاص النيابة العامة والجهات القضائية المختصة، التي تملك صلاحية الأمر بالأبحاث والتحريات اللازمة متى توفرت المعطيات والأدلة التي تبرر ذلك.
وبينما تتجه الأنظار إلى جلسة غدا الخميس، يظل المتضررون أمام مطلب أساسي لا يحتمل التأجيل: معرفة أين ذهبت أموالهم، وكيف جرى التصرف فيها، ومن يتحمل المسؤولية عن الوعود العقارية التي لم تتحقق.
فهل ستتجه النيابة العامة المختصة إلى توسيع نطاق الأبحاث لتشمل الممتلكات العقارية والشركات التي كشفت عنها وثائق البحث الاستقصائي لجريدة “كواليس الريف” ؟ وهل سيخضع مصدر الأموال والتحويلات المالية المرتبطة بهذه الممتلكات للتدقيق، بما يضمن كشف الحقيقة وتتبع أي أموال قد تكون مرتبطة بالأفعال موضوع المتابعة؟
أسئلة ثقيلة تضع هذا الملف أمام منعطف جديد، وتجعل كشف مصير أموال الضحايا واسترجاع حقوقهم في صدارة المطالب، إلى جانب ترتيب المسؤوليات القانونية على ضوء ما ستكشف عنه الأبحاث والمحاكمة القضائية.
