لم يعد المغرب يكتفي بمراقبة حركة التجارة العالمية من شواطئه، بل قرر أن يكون أحد صناعها ومهندسي مساراتها الجديدة. فمن الناظور، حيث يطل ميناء الناظور غرب المتوسط على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، يطلق المغرب مشروعاً استراتيجياً ضخماً باستثمارات تناهز 5 مليارات يورو، في خطوة تتجاوز بكثير مجرد افتتاح منشأة مينائية جديدة، لتعلن عن تحول جيو-اقتصادي متسارع في غرب البحر الأبيض المتوسط، وتضع الموانئ الإسبانية أمام منافس لم يعد بالإمكان التعامل معه بمنطق الاستخفاف أو الاطمئنان إلى امتياز الجغرافيا.
الرسالة التي يحملها المشروع واضحة: المغرب لا يبني ميناءً لمجرد إضافة رصيف إلى خريطته البحرية، وإنما يؤسس قطباً اقتصادياً وصناعياً وطاقياً ولوجستياً قادراً على إعادة رسم خريطة تدفقات التجارة الدولية بين أوروبا وإفريقيا وبقية العالم. وقد أعطى ولي العهد الأمير الجليل مولاي الحسن إشارة الانطلاق الرسمية للمشروع بافتتاح المحطة الشرقية للحاويات، في حدث يحمل دلالات اقتصادية وسيادية، ويؤكد أن الرهان المغربي على البنية التحتية لم يعد مجرد خطاب عن التنمية، بل أصبح واقعاً ملموساً بأرقام واستثمارات وشركات عالمية.
وباستثمار إجمالي يناهز 54 مليار درهم، أي حوالي 5 مليارات يورو، يدخل ميناء الناظور غرب المتوسط مرحلة التشغيل، مستنداً إلى تجهيزات ضخمة تشمل رصيفاً بطول 1520 متراً، وعمقاً بحرياً يصل إلى 18 متراً، وساحات تمتد على 70 هكتاراً. وتستهدف المحطة الأولى بلوغ طاقة استيعابية تصل إلى 3.5 ملايين حاوية سنوياً في أفق 2030، قبل أن تلتحق بها المحطة الغربية المرتقب تشغيلها في أبريل 2027، بطاقة إضافية تبلغ 1.8 مليون حاوية سنوياً، ما سيرفع القدرة الإجمالية للمركب إلى 5.3 ملايين حاوية.
وهنا تبدأ الحكاية التي يبدو أنها تثير الكثير من الانتباه على الضفة الإسبانية. فصحيفة إسبانية لم تتردد في وصف المشروع بأنه تهديد للموانئ الأندلسية، واضعة ميناءي الجزيرة الخضراء وألميريا في دائرة المنافسة المباشرة. ويبدو أن بعض الأقلام الإسبانية اكتشفت فجأة أن المغرب لا يكتفي بتطوير موانئه لخدمة اقتصاده الوطني، بل ينافس أيضاً على استقطاب خطوط الملاحة العالمية. إنها مفاجأة غير سارة لمن اعتاد النظر إلى الضفة الجنوبية باعتبارها مجرد سوق عبور أو مجال خلفي للاقتصاد الأوروبي.
والأكثر إثارة أن المقارنة الرقمية وحدها كافية لتفسير حجم القلق. فميناء الجزيرة الخضراء سجل خلال سنة 2025 نحو 4.73 ملايين وحدة مكافئة لعشرين قدماً، بينما بلغ حجم المناولة في ميناء طنجة المتوسط 11.1 مليون وحدة خلال السنة نفسها. أي إن ميناء طنجة المتوسط تجاوز منافسه الإسباني بأكثر من الضعف، قبل أن يدخل ميناء الناظور غرب المتوسط بكامل طاقته إلى معادلة المنافسة.
وبينما لا تزال بعض الأصوات الإسبانية تتعامل مع التوسع المينائي المغربي بمنطق المفاجأة والقلق، يواصل المغرب توسيع بنيته التحتية بخطوات متلاحقة. فطنجة المتوسط يستعد لإضافة محطة جديدة ضمن مشروع “طنجة المتوسط 3″، بطاقة إضافية تبلغ 4.5 ملايين حاوية، مع طموح معلن لرفع الطاقة الإجمالية إلى 20 مليون حاوية سنوياً خلال العقد المقبل. وبذلك، لا يتعلق الأمر بمشروع معزول في الناظور، بل باستراتيجية وطنية متكاملة تجعل من السواحل المغربية منصات رئيسية للتجارة العالمية.
والأمر لا يتوقف عند الحاويات. فميناء الناظور غرب المتوسط يتضمن منطقة صناعية ولوجستية تناهز 700 هكتار، ومحطات للبضائع العامة والصلبة، والنقل البحري للمركبات، والمنتجات الطاقية، فضلاً عن محطة للغاز الطبيعي المسال بطاقة معالجة تصل إلى 5 مليارات متر مكعب سنوياً، ومحطة أخرى للمحروقات. كما يرتقب ربطه بشبكتي الطرق والسكك الحديدية، بما يضمن تحويله إلى مركز اقتصادي متكامل، لا مجرد نقطة لتفريغ السفن وإعادة شحن الحاويات.
وتتجلى الأهمية الاستراتيجية للمشروع أيضاً في طبيعة الشركاء الدوليين الذين دخلوا على خط استغلال محطاته. فالمحطة الأولى تديرها شراكة تجمع مرسى المغرب و”Terminal Investment Limited”، التابعة لمجموعة “MSC” العالمية، فيما أُسندت المحطة الثانية إلى تحالف يجمع مرسى المغرب ومجموعة “CMA CGM” الفرنسية، إحدى أكبر شركات النقل البحري في العالم. وهذه ليست أسماء عابرة في دفتر الاستثمارات، بل فاعلون دوليون يمتلكون شبكات تجارية وخطوطاً بحرية واسعة، ويدركون جيداً أين تتجه بوصلة التجارة العالمية.
أما على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فتراهن المملكة المغربية على إحداث 14 ألف منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر، بما يجعل المشروع رافعة تنموية كبرى لمنطقة الشرق، التي ظلت لسنوات تنتظر مشاريع قادرة على تحويل موقعها الجغرافي من هامش اقتصادي إلى مركز استراتيجي.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن الناظور، التي لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات عن مليلية المحتلة، تتحول اليوم إلى منصة اقتصادية ضخمة تعيد رسم مستقبل المنطقة بأكملها. فبينما تنشغل بعض النقاشات الإسبانية بإثارة المخاوف من التنافس المغربي، يشتغل المغرب على بناء الموانئ والمناطق الصناعية ومحاور الربط والنقل، ويحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية فعلية. فالموقع وحده لا يصنع النفوذ، ومن يملك البنية التحتية والاستثمارات وشبكات التجارة هو من يستطيع استثمار الموقع وتحويله إلى ورقة قوة.
وإذا كانت الصحيفة الإسبانية قد تحدثت عن تهديد يواجه الموانئ الأندلسية، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح في مدريد هو: كيف استطاع المغرب أن ينتقل من موقع المتفرج على حركة الملاحة الدولية إلى منافس يمتلك ميناءً يتجاوز أداء بعض الموانئ الإسبانية، ويستعد لإضافة قطب جديد في الناظور؟ وهل المشكلة في الطموح المغربي، أم في التأخر في استيعاب التحولات التي تعرفها الضفة الجنوبية للمتوسط؟
صحيح أن المنافسة المينائية لا تُحسم بالعناوين الصحفية ولا بمجرد تدشين المنشآت، بل بكفاءة التشغيل وجودة الخدمات والربط البري والبحري وقدرة الموانئ على استقطاب الخطوط التجارية. لكن المؤكد أن المغرب وضع نفسه في قلب هذه المنافسة، وبدأ يمتلك الأدوات اللازمة لخوضها بثقة.
لقد انتهى زمن النظر إلى المغرب باعتباره مجرد بوابة عبور نحو أوروبا. فطنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط يقدمان اليوم نموذجاً لبلد اختار أن يصنع موقعه في الاقتصاد العالمي، لا أن ينتظر من الآخرين الاعتراف به. وإذا كان ميناء الناظور قد أقلق بعض الموانئ الإسبانية قبل أن يبلغ كامل طاقته التشغيلية، فالأرجح أن السنوات المقبلة ستجعل المنافسة أكثر جدية، وستفرض على الضفة الشمالية أن تتعامل مع واقع جديد: المغرب لم يعد يطرق أبواب التجارة العالمية، بل أصبح يبني أبواباً جديدة على شواطئه.
04/11/2026