kawalisrif@hotmail.com

الناظور :     أمطار لا تتجاوز 15 ملم تفضح اختلالات التهيئة بحي المطار … وكالة مارتشيكا في قلب الانتقادات والكورنيش يتحول إلى برك من الغائط

الناظور : أمطار لا تتجاوز 15 ملم تفضح اختلالات التهيئة بحي المطار … وكالة مارتشيكا في قلب الانتقادات والكورنيش يتحول إلى برك من الغائط

لم تكن التساقطات المطرية التي شهدتها مدينة الناظور، عشية أمس الأربعاء ، والتي لم تتجاوز في حدودها 15 ملم، كافية لإحداث فيضانات استثنائية أو وضع المدينة أمام اختبار مناخي صعب، لكنها كانت كافية لكشف حجم الاختلالات التي تعاني منها البنية التحتية بعدد من المناطق، وعلى رأسها حي المطار، الذي يفترض أن يكون من بين الأحياء الراقية والحديثة بالمدينة، بالنظر إلى موقعه وطبيعة المشاريع العمرانية والتجهيزات التي احتضنها.

ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه سكان الناظور أن تشكل التساقطات المطرية فرصة لإنعاش الأجواء وإضفاء بعض الحيوية على المدينة، تحولت شوارع وأزقة حي المطار إلى مشاهد صادمة، بعدما غمرتها المياه والأوحال، واختلطت مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي، لتتشكل برك سوداء وروائح كريهة في عدد من النقاط، في صورة تطرح أكثر من علامة استفهام حول جودة الأشغال المنجزة، ومدى احترام معايير التهيئة والتطهير، وحقيقة المراقبة التقنية التي يفترض أن تواكب المشاريع منذ مرحلة الإنجاز إلى ما بعد تسليمها.

ولم يتوقف الأمر عند الأزقة والشوارع الداخلية للحي، بل امتدت مظاهر الاختلال إلى كورنيش الناظور، الذي وجد نفسه بدوره غارقا في الأوحال والمياه المتراكمة، بعدما عجزت قنوات تصريف مياه الأمطار عن استيعاب التساقطات المحدودة، أو لم تتمكن من توجيهها بالشكل المطلوب نحو منافذ التصريف، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤال الجدوى من المشاريع التي رُصدت لها اعتمادات مالية مهمة، وروج لها باعتبارها واجهة حضرية حديثة تعكس طموح المدينة في التحول إلى قطب سياحي وعمراني.

المثير في هذه الواقعة أن حجم التساقطات لم يكن استثنائيا، ولم يتطلب الأمر عواصف قوية أو أمطارا غزيرة حتى تظهر هذه الاختلالات. فكمية في حدود 15 ملم كانت كافية لتحويل أجزاء من حي المطار إلى برك مائية موحلة، وإغراق نقاط من الكورنيش في المياه والأتربة، بل ووضع عدد من السكان أمام صعوبات حقيقية في التنقل واستعمال الطرق والأزقة.

وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا كانت هذه الكمية المحدودة من الأمطار قد كشفت هذا العجز، فماذا سيحدث عندما تعرف المدينة تساقطات قوية ومتواصلة؟ وهل أُخذت بعين الاعتبار المعايير الضرورية لتصريف مياه الأمطار عند إنجاز هذه المشاريع؟ أم أن الاهتمام انصب على المظهر الخارجي والتجهيزات المرئية، دون توفير البنية التحتية الضرورية التي تضمن سلامة المنشآت واستمرارية استعمالها في مختلف الظروف المناخية؟

إن ما حدث لا يمكن اختزاله في مجرد تجمع عرضي للمياه أو ظاهرة طبيعية عابرة، بل يفرض فتح نقاش جدي حول طريقة إنجاز مشاريع التهيئة، ومدى إخضاعها للمراقبة التقنية، ومدى مطابقة الأشغال المنفذة للتصاميم والدراسات التي جرى اعتمادها قبل إطلاقها.

في قلب هذه الانتقادات تبرز وكالة تهيئة موقع بحيرة مارتشيكا، باعتبارها الجهة التي ارتبط اسمها بمشاريع التهيئة والتأهيل الحضري التي عرفتها المنطقة، والتي كان من المفترض أن تساهم في إحداث نقلة نوعية في المشهد العمراني لمدينة الناظور.

فالوكالة مطالبة اليوم بتقديم توضيحات واضحة بشأن الاختلالات التي ظهرت عقب التساقطات الأخيرة، خصوصا في المناطق التي شملتها تدخلاتها أو ارتبطت بمشاريعها. كما أن السؤال لم يعد يتعلق فقط بمن أنجز الأشغال، بل بمن راقبها، ومن تسلمها، ومن تابع مدى احترامها للمعايير التقنية، ومن تأكد من أن قنوات تصريف المياه قادرة فعلا على أداء وظيفتها.

فالمشاريع الحضرية لا تقاس بعدد الأرصفة التي جرى تبليطها، ولا بجمالية المساحات التي تظهر في الصور الترويجية، ولا بحجم الاستثمارات التي يعلن عنها عند إطلاق الأوراش، وإنما بمدى قدرتها على الصمود أمام الاختبارات اليومية، وفي مقدمتها التساقطات المطرية التي تعتبر أمرا طبيعيا ومتوقعا.

ومن غير المقبول أن تتحول مناطق خضعت للتهيئة الحديثة إلى فضاءات مغمورة بالأوحال والمياه الملوثة بمجرد نزول أمطار محدودة، دون أن تكون هناك إجابات تقنية مقنعة بشأن أسباب ما وقع.

والأكثر إلحاحا أن يعرف الرأي العام ما إذا كانت الوكالة قد أنجزت عمليات افتحاص ومراقبة بعد انتهاء الأشغال، وما إذا كانت قد سجلت اختلالات سابقة، وما التدابير التي اتخذتها لمعالجتها، أم أن المشاريع انتهت بمجرد استكمال الأشغال وتسليمها، لتترك السكان في مواجهة نتائجها عند أول اختبار فعلي؟

تزداد المفارقة وضوحا عندما يتعلق الأمر بحي المطار، الذي يصنف ضمن الأحياء الراقية بالناظور، ويقطنه عدد من الشخصيات المحلية المعروفة وأصحاب المسؤوليات والوجاهة الاجتماعية.

فهذا الحي الذي كان يفترض أن يكون نموذجا للتهيئة الحضرية الجيدة، وجد نفسه أمام مشاهد لا تنسجم إطلاقا مع الصورة التي يفترض أن تعكسها أحياؤه وشوارعه. أزقة غمرتها المياه، وبرك سوداء اختلطت فيها مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي، وأوحال تعرقل الحركة، وروائح تثير استياء السكان، في وضع يكشف أن التصنيف الاجتماعي والعمراني للحي لا يعني بالضرورة توفره على بنية تحتية قادرة على أداء أبسط وظائفها.

وإذا كان سكان هذا الحي، بمن فيهم شخصيات معروفة محليا، قد وجدوا أنفسهم أمام هذه الظروف، فإن السؤال الأهم يتعلق بباقي أحياء المدينة التي لا تحظى بالضرورة بالاهتمام نفسه، والتي قد تعاني اختلالات أكثر حدة دون أن تجد من ينقل معاناتها إلى الجهات المسؤولة.

لقد كشفت الأمطار أن المشكلة لا تتعلق بمكانة الحي أو طبيعة سكانه، وإنما بمدى جودة التجهيزات العمومية ونجاعة التخطيط الحضري. فالمواطن، أيا كان موقعه الاجتماعي، من حقه أن يجد شوارع صالحة للاستعمال وشبكات صرف صحي وتصريف مطري تعمل بالشكل المطلوب.

ومن أخطر ما أثار غضب السكان ليس مجرد تجمع مياه الأمطار، وإنما اختلاطها بمياه الواد الحار، وتحول عدد من النقاط إلى برك سوداء تنبعث منها روائح كريهة.

وهذا الوضع يطرح إشكالات تتجاوز الجانب الجمالي والعمراني، ليمتد إلى الاعتبارات البيئية والصحية، بالنظر إلى ما يمكن أن يترتب عن انتشار المياه العادمة في الفضاءات العامة، خصوصا في الأزقة التي تعرف حركة يومية للمارة والسيارات.

كما أن استمرار هذه البرك دون تدخل سريع لتنظيفها ومعالجة أسبابها قد يزيد من معاناة السكان، ويجعلهم عرضة للاحتكاك بمياه ملوثة، فضلا عن الأضرار التي يمكن أن تلحق بالطرقات والأرصفة والممتلكات.

وهو ما يستدعي تدخلا عاجلا من الجهات المختصة، ليس فقط لسحب المياه المتراكمة وتنظيف الشوارع، بل لتحديد مصدر الاختلال، ومعرفة ما إذا كان الأمر مرتبطا بانسداد قنوات التصريف، أو ضعف طاقتها الاستيعابية، أو وجود خلل في الربط بين شبكات التطهير وتصريف مياه الأمطار، أو عيوب في تصميم وإنجاز البنية التحتية.

ولا يمكن في هذا السياق إعفاء المجلس الجماعي لمدينة الناظور من مسؤوليته في تتبع وضعية البنية التحتية داخل المجال الحضري، والقيام بواجبه في مراقبة الشوارع والأزقة، والتنسيق مع المؤسسات والجهات المكلفة بالتطهير السائل وتصريف مياه الأمطار، والتدخل لمعالجة الاختلالات التي تمس سلامة المواطنين وجودة عيشهم.

فالمواطن لا يعنيه كثيرا تبادل الاختصاصات بين المؤسسات، ولا يهمه أن تكون بعض المشاريع من اختصاص وكالة، وأخرى من مسؤولية الجماعة أو جهات تقنية مختلفة. ما ينتظره ببساطة هو أن يجد بنية تحتية سليمة، وشبكات قادرة على تصريف المياه، وتدخلا سريعا عندما تظهر الأعطاب.

ومن غير المقبول أن تتحول الشوارع إلى مستنقعات، وأن تختلط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي، بينما تظل المسؤوليات موزعة بين عدة مؤسسات دون أن يتحمل أي طرف مسؤولية واضحة أمام الساكنة.

إن المجلس الجماعي مطالب بتوضيح طبيعة تدخله في هذه المناطق، والكشف عن الإجراءات التي اتخذها أو يعتزم اتخاذها، ومدى تنسيقه مع وكالة مارشيكا وباقي المتدخلين، خاصة أن الأمر يتعلق بمرافق وفضاءات عمومية يستعملها المواطنون يوميا.

المؤسف في هذه القضية أن تعدد المتدخلين في تدبير الشأن الحضري بالناظور أصبح، في نظر السكان، مدخلا لتبادل المسؤوليات بدل أن يكون وسيلة لتكامل الأدوار وتسريع الإصلاحات.

فكلما ظهرت مشكلة مرتبطة بالتهيئة أو التطهير أو تصريف مياه الأمطار، يجد المواطن نفسه أمام سلسلة من الاختصاصات المتداخلة، حيث يحيل طرف على مؤسسة أخرى، وتتمسك جهة بحدود صلاحياتها، بينما تظل المشكلة قائمة على أرض الواقع.

لكن من يتحمل المسؤولية النهائية عن الاختلالات التي ظهرت في حي المطار والكورنيش؟ ومن كان مطالبا بالتأكد من سلامة الأشغال قبل تسليمها؟ ومن تقع عليه مسؤولية صيانة الشبكات ومراقبة قدرتها على استيعاب مياه الأمطار؟ وهل توجد آلية واضحة للتنسيق بين وكالة مارشيكا والمجلس الجماعي وباقي المصالح المعنية؟

هذه أسئلة لا يمكن تجاوزها بخطابات عامة أو تبريرات إدارية، لأن ما وقع أصبح واقعا ملموسا شاهده السكان وعاشوا تفاصيله، ولم يعد مجرد ملاحظة تقنية يمكن تأجيل مناقشتها إلى حين إعداد تقارير جديدة.

إن ما شهدته الناظور عقب التساقطات الأخيرة يستدعي أكثر من حملة لتنظيف الشوارع أو شفط المياه المتراكمة، لأن مثل هذه التدخلات، رغم ضرورتها العاجلة، لن تعالج جذور المشكلة إذا ظلت الاختلالات التقنية قائمة.

المطلوب اليوم هو إجراء افتحاص تقني شامل لشبكات تصريف مياه الأمطار والتطهير السائل بحي المطار والكورنيش، والوقوف على مدى مطابقة الأشغال المنجزة للتصاميم المعتمدة، وفحص القنوات والمصارف ونقاط الربط، وتحديد المسؤوليات عن أي خلل يثبت وجوده.

كما يتعين الكشف عن الجهة التي أشرفت على المراقبة التقنية، والجهة التي تسلمت الأشغال، وما إذا كانت قد أجرت الاختبارات الضرورية للتأكد من جاهزية الشبكات قبل وضعها رهن الاستعمال.

ويتعين كذلك نشر توضيحات للرأي العام بشأن طبيعة الاختلالات التي ظهرت، والجدول الزمني لمعالجتها، حتى لا تبقى الساكنة رهينة تدخلات ظرفية تتكرر مع كل تساقطات مطرية.

لقد كان يفترض أن تشكل مشاريع التهيئة التي عرفتها الناظور مدخلا لتحسين جودة الحياة، وتحديث البنية التحتية، وتعزيز جاذبية المدينة، خصوصا في المناطق المرتبطة بمشروع مارشيكا والكورنيش.

غير أن المشاهد التي أعقبت أمطار الأربعاء أعادت طرح سؤال جوهري حول الفارق بين التهيئة في الخطابات والواقع على الأرض. فلا معنى لكورنيش حديث إذا كان يتحول إلى فضاء موحل عند أول تساقطات، ولا قيمة لأحياء مصنفة راقية إذا كانت شوارعها عاجزة عن التخلص من مياه الأمطار، ولا جدوى من الاستثمارات العمرانية إذا كانت شبكات التطهير وتصريف المياه لا تؤدي وظيفتها كما ينبغي.

إن 15 ملم من الأمطار لم تكن اختبارا استثنائيا، لكنها كشفت هشاشة تستحق الوقوف عندها، ووضعت وكالة مارشيكا والمجلس الجماعي وباقي المتدخلين أمام مسؤولية تقديم أجوبة واضحة للرأي العام.

فالسكان لا يطالبون بالمستحيل، ولا ينتظرون معجزات عمرانية، وإنما يطالبون بحقهم في بنية تحتية سليمة، وشوارع لا تتحول إلى مستنقعات، وقنوات لا تسمح باختلاط مياه الأمطار بمياه الواد الحار، ومؤسسات لا تختبئ خلف تداخل الاختصاصات كلما ظهرت مشكلة.

لقد كشفت أمطار قليلة ما لم تستطع سنوات من الخطابات التجميلية إخفاءه. ويبقى السؤال الذي ينتظر سكان الناظور جوابا عنه: من سيحاسب عن هذه الاختلالات، ومن سيضمن ألا تتكرر المشاهد نفسها مع أولى التساقطات المقبلة؟

05/11/2026

مقالات خاصة

Related Posts