لم يعد الصعود المتسارع للموانئ المغربية مجرد قصة نجاح في تطوير البنيات التحتية البحرية، بل تحول إلى واقع اقتصادي واستراتيجي يفرض نفسه على حسابات كبار الفاعلين في قطاع الملاحة الدولية، بعدما باتت مراكز الشحن العابر في حوض البحر الأبيض المتوسط تواجه منافسة متنامية من الضفة الجنوبية، وفي مقدمتها المغرب، الذي يستعد لإضافة ميناء الناظور غرب المتوسط إلى منظومته المينائية، إلى جانب طنجة المتوسط والدار البيضاء.
وفي مؤشر جديد على حجم القلق الذي بات يحيط بمستقبل الموانئ الأوروبية، دقت منظمة “أسارماتوري” الإيطالية، الممثلة لأرباب العمل في القطاع البحري، ناقوس الخطر بشأن انتقال عمليات الشحن العابر وإعادة توزيع الحاويات من الموانئ الأوروبية إلى مراكز لوجستية خارج الاتحاد الأوروبي، محذرة من خسائر قد تصل إلى 3.6 مليارات يورو في الاستثمارات المينائية، و892 مليون يورو من الإيرادات السنوية، وفق السيناريوهات التي تناولتها دراسة علمية عُرضت أمام البرلمان الأوروبي في بروكسل.
وبحسب المعطيات التي أوردتها صحيفة “كورييري ديلا سيرا” الإيطالية، فإن المخاوف لم تعد تقتصر على تراجع تنافسية الموانئ الأوروبية أو فقدان جزء من حركة السفن والحاويات، بل امتدت إلى مستقبل الاستثمارات وفرص الشغل والسيطرة الاستراتيجية على سلاسل الإمداد العالمية، في ظل انتقال متزايد للخدمات البحرية نحو مراكز لوجستية خارج الفضاء الأوروبي، خصوصا في شمال إفريقيا.
وفي قلب هذه التحولات يبرز المغرب باعتباره أحد المستفيدين المحتملين من إعادة تشكيل خريطة الشحن البحري في المتوسط، غير أن الرهان الأكبر يتجه نحو ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي ينتظر أن يشكل إضافة استراتيجية نوعية للمنظومة المينائية الوطنية، وأن يفتح أمام منطقة الريف والجهة الشرقية آفاقا جديدة للاندماج في شبكات التجارة البحرية الدولية.
فإذا كان ميناء طنجة المتوسط قد رسخ مكانته باعتباره أحد أبرز مراكز إعادة الشحن في المنطقة، فإن الناظور غرب المتوسط يستعد لدخول المنافسة من بوابة موقعه الاستراتيجي في غرب البحر الأبيض المتوسط، وقربه من الممرات البحرية الدولية، فضلا عن الرهانات الاستثمارية واللوجستية والصناعية المرتبطة بهذا المشروع الضخم. وهو ما يمنحه مؤهلات لاستقطاب شركات الملاحة العالمية، وتعزيز عمليات نقل الحاويات وإعادة توجيهها نحو الموانئ الأوروبية والإفريقية وغيرها من الأسواق الدولية.
وتكمن أهمية عمليات الشحن العابر في أن السفن العملاقة القادمة من آسيا لا تتجه بالضرورة مباشرة إلى كل ميناء أوروبي، بل تقوم بتفريغ حمولات من الحاويات في مراكز بحرية استراتيجية، حيث يعاد توزيعها وتحميلها على سفن أصغر أو سفن أخرى تواصل رحلاتها نحو موانئ الوجهة النهائية. وهنا تحديدا تكمن القيمة الاقتصادية الكبرى للموانئ القادرة على استقطاب هذه العمليات، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد استقبال السفن، وإنما بالتحكم في جزء مهم من حركة الحاويات والتدفقات التجارية الدولية.
ومن شأن دخول الناظور غرب المتوسط إلى هذه المعادلة أن يرفع من حضور المغرب في سوق إعادة الشحن بالمتوسط، وأن يمنح شركات الملاحة خيارات إضافية لتدبير خطوطها البحرية، في وقت تتزايد فيه أهمية الموقع الجغرافي وتكاليف التشغيل والقدرة على توفير خدمات مينائية تنافسية.
أما ميناء الدار البيضاء، فيواصل أداء دوره باعتباره إحدى الركائز الأساسية للتجارة البحرية الوطنية، بما يقدمه من خدمات مرتبطة بالمبادلات التجارية والأنشطة الصناعية والاقتصادية. وهكذا تتجه المملكة نحو بناء منظومة مينائية متكاملة، تتوزع فيها الأدوار بين مراكز الشحن الدولي، والخدمات التجارية والصناعية، والربط بين الأسواق والقارات.
واللافت في الدراسة الإيطالية أنها رصدت تغييرات محتملة في 41 خدمة بحرية من أصل 86 خدمة جرى فحصها، شملت حالات استبدال مراكز أوروبية لإعادة الشحن بموانئ منافسة في دول خارج الاتحاد الأوروبي. كما سجلت الدراسة تزايدا في الاستثمارات المرتبطة بالمحطات البحرية في شمال إفريقيا، بالتزامن مع دخول نظام تداول الانبعاثات الأوروبي الخاص بالنقل البحري حيز التنفيذ.
وتشير التقديرات الواردة في الدراسة إلى أن تحويل ما بين 7.5 و15 في المائة من أحجام الشحن المعرضة لخطر الانتقال قد يؤدي إلى نقل ما بين 2.85 و6.30 ملايين حاوية نمطية، مع خسارة إيرادات سنوية تتراوح بين 403 و892 مليون يورو، واستثمارات مينائية قد تتراوح بين 1.43 و3.60 مليارات يورو، فضلا عن ما بين 2005 و4431 فرصة عمل مرتبطة بهذه الأنشطة.
وفي قراءة تعكس حجم القلق الإيطالي من التحولات الجارية، حذر الأمين العام لمنظمة “أسارماتوري”، ألبرتو روسي، من أن انتقال عمليات الشحن العابر إلى إفريقيا قد يحول القارة إلى مركز لوجستي وجيوسياسي جديد، بما يعيد توزيع موازين النفوذ داخل سلاسل التوريد العالمية، خصوصا مع تدفق استثمارات ضخمة من مشغلين دوليين وحكومات أجنبية نحو الموانئ الإفريقية.
كما حذرت المنظمة من أن انتقال الخدمات البحرية والاستثمارات المرتبطة بها إلى خارج أوروبا قد يجعل استعادتها مستقبلا أمرا بالغ الصعوبة، لأن شركات الملاحة لا تبني علاقاتها مع الموانئ على أساس التوقف المؤقت فحسب، وإنما تطور حولها شبكات تشغيل وخدمات واستثمارات وعقودا طويلة الأمد، ما يجعل انتقال مركز إعادة الشحن قادرا على إحداث تغييرات عميقة في خريطة التجارة البحرية.
وتربط المنظمة جانبا من هذه التحولات بالفوارق في تكاليف التشغيل بين المراكز الأوروبية ومنافسيها خارج الاتحاد، معتبرة أن تشديد القيود البيئية وحده لن يمنع انتقال الأنشطة، ما لم تواكبه إجراءات تحافظ على تنافسية الموانئ الأوروبية وتحد من انتقال عمليات الشحن إلى مراكز خارج حدود الاتحاد.
ومن هنا جاء تحرك أرباب العمل البحريين الإيطاليين داخل المؤسسات الأوروبية للمطالبة بمراجعة نظام تداول الانبعاثات، واعتماد آليات تحفيزية تسمح بالحفاظ على عمليات الشحن العابر داخل الموانئ الأوروبية، بدلا من دفعها نحو مراكز لوجستية منافسة خارج الاتحاد.
لكن ما تكشفه هذه التحذيرات يتجاوز النقاش التقني حول الضرائب البيئية وتكاليف تشغيل السفن، ليطرح سؤالا استراتيجيا بشأن التحول الجاري في جغرافية القوة البحرية العالمية: هل أصبحت الضفة الجنوبية للمتوسط، والمغرب تحديدا، مرشحة لانتزاع حصة متزايدة من عمليات إعادة الشحن التي ظلت لسنوات طويلة تشكل مصدرا مهما لعائدات الموانئ الأوروبية؟
وبالنسبة إلى الناظور، فإن أهمية هذه التحولات تتجاوز الأرقام المرتبطة بالحاويات والإيرادات، لتلامس مستقبل منطقة بأكملها. فميناء الناظور غرب المتوسط لا يمثل مجرد منشأة بحرية جديدة، بل مشروعا استراتيجيا قادرا على تحويل موقع المنطقة الشرقية إلى نقطة ارتكاز في شبكات التجارة واللوجستيك الدولية، وفتح المجال أمام استثمارات صناعية وخدماتية، وخلق فرص شغل، وتعزيز جاذبية المنطقة لدى المستثمرين وشركات الملاحة العالمية.
وبين طنجة المتوسط الذي فرض اسمه في خريطة النقل البحري الدولي، والناظور غرب المتوسط الذي يستعد لدخول المنافسة بأوراق استراتيجية جديدة، والدار البيضاء التي تشكل ركيزة أساسية للتجارة الوطنية، يواصل المغرب بناء موقعه كقوة مينائية صاعدة على ضفاف المتوسط والأطلسي.
وهنا تكمن المفارقة التي تثير قلق بعض الأوساط البحرية الإيطالية: فالمليارات التي تخشى إيطاليا انتقالها من موانئها ليست مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل تعكس معركة حقيقية على من سيمسك بمفاتيح إعادة توزيع الحاويات والتحكم في مسارات التجارة العالمية. وفي الوقت الذي تتحرك فيه روما وبروكسل للبحث عن وسائل لحماية مراكزها البحرية، يستعد الناظور غرب المتوسط لفرض اسمه على خريطة المنافسة، في تحول قد يجعل من الريف الشرقي بوابة جديدة للتجارة البحرية الدولية، ويضع ميناء الناظور في قلب معركة المليارات التي لم تعد أوروبا وحدها تتحكم في قواعدها.
