kawalisrif@hotmail.com

الحسيمة :    تخليق الحياة العامة بين بلاغة الخطاب ومآزق التنزيل … قراءة في ندوة “النزاهة”

الحسيمة : تخليق الحياة العامة بين بلاغة الخطاب ومآزق التنزيل … قراءة في ندوة “النزاهة”

شكلت الندوة الوطنية التي احتضنتها مدينة الحسيمة مؤخراً حول “النزاهة ومكافحة الفساد” محطة هامة لتشخيص الداء العضال الذي ينخر جسد المؤسسات، إلا أن القراءة العميقة في متون المداخلات والتقارير الصادرة عنها تضع الشارع أمام تساؤلات نقدية ملحة تتجاوز لغة “التفاؤل المؤسساتي” لتصطدم بواقعية التعقيدات الميدانية.

1. معضلة “الرأس مال القيمي”: هل تكفي التنشئة؟

طرحت الندوة فكرة طموحة تحول النزاهة من “التزام قانوني” إلى “رأس مال وطني”. لكن، نقدياً، يظل هذا الطرح حبيس المقاربة الأخلاقية (Moralist Approach). إن الرهان على “التنشئة السياسية” والجامعة في ظل بيئة اقتصادية تعاني من تفاوتات صارخة قد يبدو نوعاً من المثالية؛ فالنزاهة لا تُبنى بالخطب التربوية فحسب، بل بتوفير شروط مادية تضمن كرامة الموظف والمواطن، وبنظام جزاءات صارم ينهي ثقافة “الإفلات من العقاب”.

2. الذكاء الاصطناعي: “بروباغندا” تقنية أم حلول ناجعة؟

من المثير للاهتمام إقحام “التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي” في نقاشات الندوة. ورغم أن هذا التوجه يواكب الموضة العالمية، إلا أن النقد الموضوعي يفرض التساؤل: هل تتوفر الهيئة الوطنية والقطاعات الوزارية على السيادة الرقمية والبيانات الضخمة الكافية لتتبع الثروات غير المشروعة؟ إن التحول الرقمي بدون “شفافية البيانات” يبقى مجرد واجهة تقنية لا تمس جوهر الفساد البنيوي.

3. مكافحة الفساد في الجماعات الترابية: الحلقة الأضعف

ناقشت الندوة دور الجماعات الترابية، وهي “العصب الحساس” في التنمية المحلية. لكن الملاحظ هو استمرار الهوة بين الترسانة القانونية (القوانين التنظيمية للجماعات) وبين الممارسة السياسية التي يطغى عليها في كثير من الأحيان منطق “الولاءات” والزبونية. إن الحديث عن النزاهة في التدبير المحلي يحتاج إلى جرأة أكبر في نقد منظومة “الانتخابات” التي أشار إليها المشاركون باستحياء، ففساد النخب المنتخبة هو المنبع الأول لتعطيل السياسات العمومية.

4. “المجتمع المدني” كشريك أم كواجهة؟

أكدت الهيئة الوطنية على استراتيجيتها في توطيد العلاقة مع المجتمع المدني. نقدياً، نجد أن المجتمع المدني في المناطق البعيدة عن المركز غالباً ما يفتقر للموارد القانونية والحماية الفعلية ليكون “يقظة شعبية”. إن دعوة المواطن للتبليغ تظل محفوفة بالمخاطر في ظل غياب تفعيل حقيقي وشامل لقانون “حماية الشهود والمبلغين” بشكل يبعث الطمأنينة الكاملة في نفوسهم.

ختاماً: نحو انتقالة من “الندوات” إلى “المساطر”

إن القيمة الحقيقية لندوة الحسيمة لا تكمن في تشخيص الفساد ، فالتشخيص بات معلوماً لدى الجميع ، بل في قدرتها على تحويل هذه التوصيات إلى “ضغط تشريعي” و”إجراءات زجرية”.

إن الانتقال من “حكامة الخطاب” إلى “حكامة الإجراء” يتطلب إرادة سياسية تتجاوز حدود القاعات المكيفة، لتصطدم بجيوب المقاومة التي ترى في النزاهة تهديداً لمصالحها. وبدون ذلك، ستبقى هذه الندوات مجرد “Knowledge Anchors” (مراسي معرفية) معلقة في فضاء أكاديمي، بينما تستمر قوارب الفساد في الإبحار بعيداً عن الشاطئ.

 

 

 

 

 

 

12/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts